Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

في علاقة العلم بالعمران

      العلم هو المعرفة بالشيء على ما هو عليه، والاسم الموصول “ما” سمته الاستغراق، أي أن المراد هو المعرفة بالشيء أو الأمر كما هو عليه حقيقة في واقعه، ولاشك أن شخوص أمر أو شيء في واقع معين، له جملة تجليات وامتدادات، وبحسب كمال الإحاطة بها، يكون كمال العلم؛ والناس في ذلك متفاوتون “وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” [يوسف، 76]، غير أنهم أيضا متفاوتون في نهوض هممهم للعمل بمقتضيات ما علموا، فمنهم من يأخذ مقتضيات علمه بقوة، ومنهم من يرضى بما دون ذلك، ولذلك جاء التمييز المبكر في حضارتنا بين العلماء العاملين وغيرهم. ولاشك أن نصيب العلماء العاملين من ميراث نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام أضفى، لاقتران العلم والعمل وتواشجهما في كل أنفاس المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي كل ما يأخذه أو يذره، قال أحد الأعراب وكان حديث عهد بإسلام جوابا عن سؤال من سأله، لم آمنت بهذا الرجل؟ فقال: “ما رأيته أمر بخير إلا وكان أسرع الناس إليه، ولا نهى عن سوء إلا وكان أبعد الناس عنه”.

      إن فيض البهاء الذي يتدفق في مطابقة فعل الإنسان لقول اللسان، وتصديق الجوارح لمكنون الجنان، فيض يكون له أعظم التأثير على من يندهق بين ظهرانيهم من الناس، فحين يرى الناس من علمائهم دانيَ وطيّب جنى الحكمة، والخلق الحسن، والفاعلية النورانية، وتجليات البركات والنفع في الذات والمحيط، وفي العاجل والآجل، بما يشهد بالتجسير المتفاعل بين الوحي والعالمين، وبين الأسوة والمتأسين، فإن ذلك ينداح إنجازات وأعرافا وعادات وعمرانا في الفضاءات التي تشهد انبثاقه.

      إن منظومات دين الختم التصورية، والنفسية، والقيمية، والأخلاقية، والتشريعية، والمعرفية، والاجتماعية، والنُّظُمية، منظومات ترتكز على ترسيخ الآيات والهاديات في نفس الإنسان ووجدانه، قبل ترسيخها في واقعه، لأنها ذات طبيعة تفرض انسيابها من الداخل نحو الخارج، وحين ترسيخها في الواقع فإنها تكتسي صبغة إلهامية، تتخطى أسلاك الاستحالة الشائكة، نحو آفاق الإمكان الرحيبة، فإذا بالمؤسسات والصروح والأفكار واللمع والمكتوبات، تؤثت العمران، وتوجه الإنسان، في حركة نواسية متصاعدة نحو المكرمات، ولا غرو إذن أن يسمي الناس وفاء وعرفانا أحياء بأكملها باسم من حفزوا انطلاق هذا الخير كله، ولا عجب كذلك أن يتواشج البناء والعمران، والعلم والعرفان في بلدنا المبارك في توقيع متميز لملحمة علمية عمرانية خالدة.

الأمين العام

للرابطة المحمدية للعلماء

أرسل تعليق