Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

هوادي التعرّف (16)

      التصوف على “طريقة الجنيد السالك” حَسب ما سُطِّر في منظومة فقيه القرويين ابن عاشر، ووِفق ما تَوارث في الأمة، يتقعّد على ثمانية شروط ومبادئ:

      المبدأ الأول في طريق التصوف: التوبة (4): قال الناظم رحمه الله:

          وَتَـــوْبَةٌ مِنْ كُــلِّ ذَنْبٍ يُجْتَــــرَمْ     ***     تجِبُ فَـوْراً مُطْلَقــاً وَهْيَ النَّدَمْ

          بِشَرْطِ الإِقْلاَعِ وَنَفْـــيِ الإِصْـرَارْ      ***    وَليَتَـــلاَفَ مُمْكِناً ذاَ اسْتِغْــــفَارْ

      وثمرة التوبة الندامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “التوبة الندامة”[1]، والنادم تائب.

      وقول الناظم: “وهي الندم” إشارة إلى أنّ الندم هو عين التوبة، وأنه ركن من أركانها، وأما شروطها فهي: الإقلاع عن الذنب، وعدم الإصرار عليه، وتلافي الممكن من الحقوق، مع الاستغفار؛ وهو الذي أشار إليه الناظم بقوله: “وهي الندم، بشرط الإقلاع ونفي الإصرار، وليتلاف ممكنا”.

      ولمّا كان “الندم توبة”[2]، فهل الندم يستلزم تذكُّر الذنب أم لا؟

      نَعم، يُـفيد تذكر الذنب لينكسر القلب بين يدي الله إذا رأى العبد من نفسه عُجبا أو كبرا.. فإذا تذكر ذنبه ذل لله.. وقد سُئِل سهل التستري (تـ 283هـ) عن التوبة فقال: “أن لا تنسى ذنبك”[3]، وسُئِل الجنيد (تـ297هـ) عن التوبة فقال: “أن تنسى ذنبك”، فقيل له لِـمَ؟ فقال: “إذا كنتُ معك في حال الجفاء، ونقلتني من حال الجفاء إلى حال الصفاء، فذِكري للجفاء في حال الصفاء غفلة”[4]، وقال كذلك: “نسيان الذنب حياءٌ من الرب”. فقول سهل دلالة لأهل البدايات، وقول الجنيد لأهل النهايات، لأن ذكر الجفاء في محل الصفاء جفاء.

      فإذا صحّ الندم ونشأ من صميم القلب أحرق ما مرّ عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن؛ فإن “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”[5].

      وقد فُهم من ذلك بأنّ لِلتوبة تعلقا بالماضي وهو الندم، وبالحال وهو الإقلاع عن الذنب؛ أي تركه وتجنبه فورا، وبالاستقبال وهو العزم على أن لا يعود إلى ذلك أبدا، وعن هذا عبّـــر بنفي الإصرار.

      وإنما ينتفي عن العبد الإصرار بسطوع أنوار المعارف والأسرار، وذلك لأنها واردة من حضرة الله، وسر يتلقى من الله، فلها قوة الدفع للباطل، كمضادة النور للظلام فلا تجامعه، بل تذهبه وتمحي رسمه وأثره، وبذلك يحصل تبري العبد من حوله وقوته على دوام أوقاته، ويقال: “من لم يكن له سر فهو مُصِر”، وقال أبو الحسن الشاذلي: “من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر وهو لا يعلم”[6].

      ويكفي في قُبح الإصرار أن الـمُصرّ يفتتح عبادته بالوقوف بين يدي الله تعالى ولسانُ إصراره ينادي من قلبه بين يدي ربه؛ والله تعالى لا ينظر إلى لسان المصر يقرأ، وإنما ينظر إلى سِرِّ المصر، أي إلى قلبه يتلوا إصراره، قال عليه الصلاة والسلام: “إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم”[7].

      والآثام والذنوب التي تحجب عن الله تعالى تنقسم إلى ظاهرة وباطنة:

      •  فإذا كان الذنب ظاهرا، فالندم ونفي الإصرار من أفعال القلوب، وأما الإقلاع فمن أعمال الجوارح؛

      •  وأما إذا كان الذنب باطنيا، فالندم والإقلاع ونفي الإصرار، كلها من أعمال القلوب؛ ولا منتهى للتوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة من كل ما يحول بين المريد وربه.

      ومن علامة صدق التوبة: رِقّة القلب، وغزارة الدمع[8].

يتبع

————————————————-

  1.  صحيح ابن حبان، دار ابن حزم، كتاب التوبة والإنابة، ح 7612.

  2.  رواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود، ح 3437. وابن ماجة في السنن، كتاب الزهد، ح 4250.

  3.  التعرف، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001، ص: 107.

  4.  الجنيد البغدادي، الأعمال الكاملة، دار الشروق، تحقيق: سعاد الحكيم، ص94.

  5.  حديث عن عبد الله بن مسعود، سنن ابن ماجة، ح 4248. وشعب الإيمان للبيهقي، ح 6543.

  6.  انظر لطائف المنن، ص144، وغيث المواهب العلية، ص: 275.

  7.  صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، ح 2564.

  8.  قوت القلوب، أبو طالب المكي، مكتبة دار التراث، 2/507.

أرسل تعليق