Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

فن الشمائل

      التعريف بحقوق النبي صلى الله عليه وآله وسلم

      اعتنت الأمة الإسلامية بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وامتدت هذه العناية لتشمل المعرفة الإسلامية بكل مستوياتها، وساهمت العلوم الإسلامية بكل فروعها بالتعريف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولقد نشأت في ظلال السيرة النبوية جملة من الفنون التي تهتم بجانب من جوانب حياته صلى الله عليه وآله وسلم، كفن المغازي[1]، وفن الدلائل[2]، وفن الفضائل[3]، وفن الخصائص[4]، وفن الشمائل[5].

      ويعد فن الشمائل من الفنون التي أبدع فيها علماء المسلمين، من المشرق والمغرب في التعريف ببعض أوصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتقريبها للأمة حتى ترتبط به ارتباطا وثيقا، وتتعلق بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم.

      وفي هذا الإطار ساهم علماء المغرب في التعريف بحقوق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما ينبغي له من الإجلال والتوقير والتعظيم، فصنفوا المصنفات[6]، وشرحوا كتب الشمائل، وأبدعوا في التصليات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووقفوا الأوقاف والكراسي العلمية[7] لتدريس الشمائل النبوية، كما أبدعوا في فنون المديح. ولقد بلغ من عناية المغاربة بحرمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم لم يقبلوا أن تمس حرمته، أو تهان مكانته، أو ينتقص من كل ما نسب إليه…

      ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق ما وقع من تهاون التجار الأجانب بشأن المقدسات الدينية، حيث عمل الأوربيون على استخدام شتى الوسائل للدعاية بما في ذلك كتابة العبارات الدينية مثل: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المصنوعات ضمانا لفاعلية بيعه بين المسلمين[8]. ولقد تصدى لهذه الظاهرة مجموعة من العلماء، منهم الشيخ جعفر الكتاني الذي ألف كتاب: “الغيث المدرار والسر المعمار فيما يتعلق باسم النبي المختار المكتوب على صناديق الثقاب المجلوبة من أوروبا”[9] ورفع للسلطان المولى الحسن الأول رسالة في هذا الصدد، وتابع ذلك حتى صدر أمر سلطاني[10] يمنع استيراد هذه السلعة، ومما جاء فيه:

      وبعد: “فقد بلغ لشريف علمنا ما حدث ظهوره على التجار مما يعد الرضا به ثلمة في الدين وبدعة في الأمصار، وهو ما يجلبونه من الأواني المرقوم فيها اسم الرحمن، وصناديق الوقيد المرسوم فيها اسم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما يعلمونه في ذلك من أن ما يفرغ من تلك الصناديق ومكسور الأواني للطرح في القاذورات… وعليه نأمركم بالاسترعاء على التجار الجالبين لذلك وتنبيههم على الضرر المترتب على ما هنالك مع رد البال لما يجلب وكل ما يؤتى به من الأواني وصناديق الوقيد المرسوم فيها اسم الله تعالى واسم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يحاز مجانا”[11].

      أولا: المقاصد التربوية من دراسة الشمائل النبوية

      لقد رام العلماء من التأليف في فن الشمائل بيان حسن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظاهر والباطن، واعتبروا ذلك مما يتأكد، بل ويتعين معرفته على كل مؤمن، وقد راعوا في ذلك جملة من المقاصد[12]، وهي:

      1.  تشكيل الوجدان

      وذلك أن معرفة صفاته السنية، ونعوته البهية السمية صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة إلى امتلاء القلب بتعظيمه، وكلما ازداد تعظيمه ازداد التعلق به، والتودد إليه والتقرب منه، وهذا ضرب من الوصال يتلذذ به المسلم عند سماع أوصاف حبيب القلوب وقرة العيون، فينتقل من حال إمتاع حاسة السمع واللسان بذكر أوصاف المحبوب إلى المؤانسة بحضور القلب؛ لأنه إذا فات النظر إليه بالبصر، لم يفت التمتع به بالسمع، والنظر إليه بالبصيرة وشهود ذاكره لذاته صلى الله عليه وآله وسلم، وحين يتشكل الوجدان بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم، ويخالط شغاف القلوب، ويمتلئ القلب بتعظيمه يصبح ذلك وسيلة إلى تعظيم شريعته؛ لأن التشريع تكون له حرمة على قدر حرمة المشرع له؛

      2.  ترسيخ الإيمان

      ذلك أن معرفة شمائله صلى الله عليه وآله وسلم تنهض همة المسلم للسعي للتحقق بأوصاف النموذج الكامل الذي قال الله عز وجل فيه: “وإنك لعلى خلق عظيم” [القلم، 4] فهو صلى الله عليه وآله وسلم بشري الظاهر ملكوتي الباطن، فكلما تعلق الوجدان بجماله وكماله، وحسنه وإحسانه، كلما رسخ الإيمان لأن محبته صلى الله عليه وآله وسلم روح الإيمان، ولا يكتمل الإيمان إلا بها، قال تعالى: “قل اِن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله” [اَل عمران، 31] وقال تعالى: “من يطع الرسول فقد اَطاع الله” [النساء، 79]، فمحبته موجبة لمعيته ومجاورته وصحبته، والمرء مع من أحب؛

      3.  تجديد العرفان

      إن ذكر خلقه الظاهر وجماله الذاتي يحرك ما في القلوب من الحب الساكن، والشوق الكامن، وبذلك يتجدد الإقبال على منازل القرب والطاعات، وتجدد الصلة بالله؛ لأن الاشتغال بأوصاف المحبوب يهيج أشواق المحب، ويوقظ همته لطلب الكمال الأخلاقي..

يُتبع..

——————————————————-

  1.  المغازي: من فنون السيرة النبوية، ويعنى بدراسة غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

  2.  الدلائل: من فنون السيرة النبوية، ويعنى بتتبع معجزات النبي والأمور الدالة على نبوته.

  3.   الفضائل من فنون السيرة، ويعنى بالبحث عن وجوه تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

  4.  الخصائص: من فنون السيرة، ويعنى بجمع خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي اختص بها عن أمته وعن الأنبياء السابقين. لمزيد من الاطلاع انظر: شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين تصوير الوحي وتصورات الدارسين، سعيد المغناوي، طبع آنفو برانت، الطبعة الأولى 2003.

  5.  الشمائل: من فنون السيرة، يهتم بأوصاف النبي الخلقية والخلقية. راجع زهر الخمائل على الشمائل: أوصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جلال الدين السيوطي، تحقيق مصطفى عاشور، مكتبة القرآن، دون تاريخ.

  6.  راجع دراستنا: جهود المدرسة المغربية في دراسة الشمائل المحمدية، محاضرة ألقيت بكلية الآداب –سايس فاس، يوم الخميس 6 يناير 2005م، وهي تحت الطبع.

  7.  انظر الكثير من الأوقاف المخصصة لكراسي علمية لتدريس الشمائل النبوية في كتاب جامع القرويين للأستاذ عبد الهادي التازي، ج 2، ص: 372 و 396، طبع.

  8.  راجع الاستشارات السلطانية في مجال الإصلاحات بالمغرب. عمر آفا، ص58، منشور بمجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط العدد السادس عشر 1991.

  9.  من مخطوطات الخزانة العلمية الصبيحية بسلا، رقم 206/9 ويتكون من 38 ورقة.

  10.  هذه الرسالة الحسنية إلى عامل سلا القائد محمد بن سعيد السلاوي بتاريخ 4جمادى الثانية 1891م من وثائق الحاج العربي بن سعيد. انظر المصادر العربية لتاريخ المغرب، محمد المنوني، ج2 ص145.

  11.  المصادر العربية لتاريخ المغرب ج2 ص145.

  12.  راجع شرح الشمائل المحمدية المسمى بالفوائد الجليلة البهية، للعلامة محمد بن قاسم جسوس، ج1 ص6، دار الرشاد الحديثة، دون تاريخ. – ولوامع أنوار الكوكب الدري في شرح البوصيري، لسيدي محمد بن أحمد بنيس، بهامش الكتاب المذكور.

أرسل تعليق