Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

الدعاء بسلب النعم

قال الله تقدست أسماؤه: “وقال موسى ربنا إنك ءَاتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اَطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يومنوا حتى يروا العذاب الاَليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون” [يونس، 88-89].

تتسم مواقف فرعون بالإعراض عن مقتضيات الإيمان برسالة موسى عليه السلام، وباستكبار ملئه وعتوهم وغرورهم. وهو ما حكاه القرآن المجيد من خلال قوله تعالى: “فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءَاباءنا وتكون لكما الكبرياء في الاَرض وما نحن لكما بمومنين” [يونس، 76-78][1].

الدعاء بسلب النعم

لما تيقن موسى عليه السلام من طغيان موسى و من ضلاله اتجه إلى الله تعالى فتضرع إليه سبحانه بقوله: “ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يومنوا حتى يروا العذاب الاَليم” فهم نبي الله موسى أن ما عليه فرعون وملأه من زينة وأموال عوض أن يكونا دافعين إلى شكر الله تعالى على ما أنعم تحولا إلى أسباب ضلالهم وطغيانهم. وهكذا دعا ربه إلى أن تسلب منهم هذه النعم فيعودوا إلى الإيمان الصحيح والعمل الصالح. ففي قوله تعالى: “وقال موسى ربنا إنك ءَاتيت فرعون و ملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك” تمهيد دال على أن الغرض من دعائه ليس مجرد إهلاك فرعون وملئه وإعناتهم. ليس الغرض المقصود من هذا الدعاء هو مجرد الانتقام للنفوس وللمجتمع. كلا إن الغرض المقصود من هذا الدعاء النبوي هو حصول الهداية لفرعون وملئه. فلما أغرتهم النعمة بالطغيان وبالاسترسال في الإعراض عن الحق اجتهد موسى في الدعاء عليهم استصلاحا لهم ورغبة صادقة في هدايتهم بطرق التشديد ما دامت وسائل التخفيف غير موصلة إلى رشدهم وإيمانهم.

لم يفض بهم التنعم بالزينة والأموال إلى إصلاح الاعتقاد والتفكير والعمل، وإنما أفضى بهم إلى مآل الفساد الاعتقادي والفكري والعملي. فاللام في الآية لام العاقبة، كما قال أهل التدقيق من المفسرين. فكأن المعنى المقصود هو أنك يا ربنا آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فضلوا بذلك وأضلوا[2]. وهكذا طلب موسى عليه السلام من الله تعالى مطلوبين رجا بهما أسباب هدايتهم:

أحدهما الطمس على الأموال، كما في قوله تعالى: “ربنا اطمس على أموالهم“، أي إزالة تلك الأموال. والثاني الشد على القلوب كما في قوله: “واشدد على قلوبهم“، أي أدخل العسر والشدة في قلوبهم بما تعنيه من نفوس وعقول.

يبدو أن في بهذا الدعاء المتمثل في قوله تعالى: “ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يومنوا حتى يروا العذاب الأليم” جمع بين أمرين: أحدهما ترتيب الجواب على الدعاء، والثاني تبين موسى عليه السلام ما في قسوة طبع فرعون وملئه وما في عقولهم من عناد لا تنفع معهما الحجج، ولا تذللها إلا الآلام الجسدية والنفسانية. وهذا كما قال الإمام ابن عاشور رحمه الله: “إيجاز بديع إذ جمع في هذا التركيب جواب الدعاء وبيان علة الدعاء عليهم[3].

——————————————————————

1. ينظر الحلقة السابقة الموسومة بالدعاء و المكر و البغي.

2. كما في قوله تعالى: “فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا” وللمفسرين وجوه أخرى: أحدها أن يكون للتعليل، والثاني أن الكلام على حذف حرف، والتقدير: لئلا يضلوا عن سيلك. والثالث أن اللام لام الدعاء. والرابع أن يكون على حذف همزة الاستفهام. والتقدير: أليضلوا عن سبيلك آتيناهم زينة وأموالا تقريرا للشنعة عليهم. والخامس تاويل معنى الضلال بأنه الهلاك. تفسير التحرير والتنوير، ج: 11، ص: 269.

3. ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج: 11، ص: 273.

أرسل تعليق