Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

تعليق واحد

“ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك”

      ضمّن الشيخ بن عطاء الله رحمه الله هذه الحكمة نفيين جازمين:

      أولهما: نفي توقف مطلب أنت طالبه بربك..

      وثانيهما: نفي تيسُّر مطلب أنت طالبه بنفسك..

      أما النفي الأول: فهو مستند إلى أركان ثلاثة؛

      الركن الأول: كون المطلب الذي يطلب بالله لا يمكن أن يكون إلا له، وما كان له فهو حتما وفق مراده، وفي انضباط لشرعته، وتأسٍّ بالهادي إليه السراج المنير خاتم رسله صلى الله عليه وسلم، وما كان كذلك فهو يقينا خير وفضل، وما كان خيرا وفضلا، فإن كل الخير والفضل الذي في الأكوان سوف يعضده ويتواطؤ على تحقيقه، وهي سنة لن تجد لها تبديلا ولا تحويلا “فلن تجد لسنّت الله تبديلا. ولن تجد لسنتّ الله تحويلا” [فاطر، 43] وهو قول الله الجازم: “ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز” [الحج، 40] وقوله تعالى: “كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز” [المجادلة، 21].

      الركن الثاني: كون القلب الذي يطلب بالله حقا، لا يمكن إلا أن يكون قلبا سليما منيبا مراقبا ربّه متوجّها إليه يريد وجهه “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه” [الكهف، 28]. وليكون القلب سليما لا بدّ له من دوام جلاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا جِلاؤُهَا؟ قَالَ: “تِلاوَةُ الْقُرْآنِ” [أخرجه المروزي في مختصر قيام الليل: 261] وإذا كان القلب صقيلا، فلا يمكن أن يقر فيه ويستقر مطلب يطلبه بالله، إلا إذا كان مرضيا للمطلوب الأسنى، الله جل جلاله، فهو الهادي للطلب له وبه، وللدعاء له ليتحقق به وله هذا الطلب، وما كان مأذونا كيف يمكن أن يتوقف؟ !

      الركن الثالث: أن ما يطلب لله بالله في الله، تُلهم فيه الأسباب الناهجة، ويُمنح في المدد النافذ، وما كان كذلك، أنى له أن يتوقف! “بلى إن تصبروا وتتقوا وياتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين” [اَل عمران، 125].

      أما النفي الثاني: فهو مستند إلى ثلاثة مكونات.

      المكون الأول: أن النفخة من روح الله في كل إنسان هي جوهره المكلّف بتزكيته في مثل قوله تعالى: “قد اَفلح من زكّاها. وقد خاب من دسّاها” [الشمس، 9-10]، فهو تكليف بالإخراج من الظلمات إلى النور في مقابل سعي العدو المبين “اِن الشيطان للاِنسان عدو مبين” [يوسف، 5] “إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا” [فاطر، 6] إلى الإخراج من النور إلى الظلمات، “الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون” [البقرة: 257].

      وحين ينهزم الجوهر لعدم استمداده من الحضرة الصمدانية أمام عدوه فإن ذلك هو الرّدى، لأن امتحان الإنسان في هذا البعد من أبعاد الوجود، هو إعتاق نفسه التي كُلّف بتزكيتها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ الناس يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا” [صحيح مسلم، 1/203 /ح 223]، وهو قول الله تعالى في سورة الصافات: “قال قائل منهم إني كان لي قرين. يقول أ.نك لمن المصدّقين. أ.ذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمدينون قال هل اَنتم مطلعون، فاطلع فرءاه في سواء الجحيم، قال تالله إن كدت لتردين، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين” [الصافات، 51-57].

      وحين يستحوذ عدوّ الإنسان على النفس فتصبح الأمارة الرائدة فإنها تردي، وأنّى لمطلب يُطلب بنفس كهذه أن يتيسّر؟ !

      المكون الثاني: أن النفس في حالة تدسيتها وسيوخها في انفصال عن توجيهات الشرعة المنيرة في الشهوات، والاستجابة لأزّ الغرائز، يتعذر عليها التمييز بين النوراني والظلماني، لغياب الفرقان الذي من آثاره الإبصار، حيث يحل محله السيوخ المردي “فلا يصدنك عنها من لا يومن بها واتبع هواه فتردى” [طه، 16] سيوخ من آثاره الإخلاد إلى الأرض والعمى، قال تعالى: “واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الاَرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث اَو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون” [الاَعراف،  175-177]، فيصبح الإنسان رهينة لعدوه المبين، ولنفسه وللنفوس التي جانستها، وهو قوله تعالى: “وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون” [الاَعراف، 202]، ومن كان مطلبه من هذا المقام فأنى يتيسّر؟!

      المكون الثالث: أن ما يطلب بخلاف مراد الله وهدي شرعته المنيرة، يكون متجانفا عن الفضل وعن الخير الذي هو وجهة الأكوان كلها، وما كانت الأكوان له ضدّا وسنن الله له صدًّا فأنى يتيسر؟!

      والله الهادي إلى سواء السبيل وهو المستعان

      وحسبنا ونعم الوكيل

 

الأمين العام

                                                            للرابطة المحمدية للعلماء

التعليقات

  1. عبد ربه مصطفى أقلمون.

    الحمد لله حمدا كثيرا؛ وبه نستعين .

    لا يكون له الا ما كان به؛ فالثاني ركن الأول وشرطه ولازم من لوازمه، فلا يقبل ما له الا بما به؛ وبهما عين كمال الحكمة وكمال التوفيق

    وأعوذ بالله من الضلال والخذلان وأستغفر الله لي ولكم.

أرسل تعليق