Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

علم القراءات

خضع علم القراءات كغيره من علوم الرواية لسنة التدرج في الظهور،  فكانت أولى مراحله الرواية الشفوية، ومستندها الأخذ عن المشيخة أخذ مشافهة وتلقين، هدفه التأكد من سلامة المحفوظ عن طريق العرض على الشيخ المقرئ، فيكون إقراره للقارئ على القدر المعروض بمثابة التزكية والإجازة، ويتضمن ذلك الإذن للعارض بالقراءة بما تلقنه عن الشيخ وتحمله عنه، كما يتضمن إباحته له التحديث به عنه على سبيل الرواية، وتلقينه لمن رغب إليه فيه. وعلى هذا النمط درج القراء في الصدر الأول من زمن الصحابة،  ولم يكن هناك داع إلى تدوين المقروء ووصف الرواية وكيفيتها وذكر السند المؤدي إلى مصدر الرواية.

أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة التقييد الجزئي، وصورته: أن يقوم القارئ -بعد أن يكون قد لزم شيخه لزوما طويلا- بتضمين ما سمعه منه من حروف قراءته في نسخة خاصة به، وذلك حتى يتمكن من الرجوع إلى ما سمعه من ذلك عند الاقتضاء، وكان ذلك منهم نوعا من الاحتياط للرواية، وهو قدر زائد على مجرد العرض على الشيخ؛ إذ الغرض منه زيادة التثبت والحيطة في نسبة حروف القراءة إلى من قرأ بها. وفي هذا الصدد نجد في تراجم قراء الصدر الأول من الصحابة والتابعين هذه العبارة، وهي قول المترجم عن الشيخ: “وردت عنه الرواية في حروف القرآن”، كما يفعله الحافظ ابن الجزري في طبقات القراء، وكما يقول أحيانا إذا تعلق الأمر بالراوي عن الشيخ والراوي عنه: “روى عن فلان، وله عنه نسخة”.

 أما المرحلة الثالثة: فهي التي يتعلق بها النص التالي، وتتعلق بظهور أول و أقدم تأليف جمع فيه مؤلفه القراءات المشهورة في الأمصار في زمنه قبل ظهور القراءات السبع، والمراد بالأمصار: المدن الخمسة الكبرى التي أرسل إليها عثمان -رضي الله عنه- بنسخ المصحف الإمام عند تدوين المصاحف في صدر خلافته، وهي المدينة المنورة، ومكة المكرمة، ودمشق الشام، والبصرة والكوفة بالعراق.

وصاحب النص المذكور هو الإمام الجهبذ اللغوي المقرئ أبو عبيد القاسم بن سلام الخرساني البغدادي (توفي 224ﻫ)، وهو ممن أخذ عن الإمام أبي الحسن الكسائي وجماعة من طبقته. قال الحافظ أبو عمرو الداني في طبقات القراء: “هو إمام دهره في جميع العلوم، صاحب سنة، ثقة مأمون”. وقال ابن الجزري في غاية النهاية: “وله اختيار في القراءة وافق فيه العربية والأثر” [1] . وقال في النشر: “وكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة ” [2] .

وكتاب القراءات لأبي عبيد الذي اسْتُخْلِصَ من مقدمته هذا النص، يعتبر اليوم في عداد المفقود، وقد أثنى عليه الإمام الذهبي، ورواه الراوية أبو بكر بن خير الإشبيلي ( توفي 575ﻫ) في فهرسته [3] ، ولم يصل إلينا منه سوى هذا النص الذي ننقله للقارئ الكريم لأهميته القصوى في معرفة أشهر قراء مرحلة ما قبل ظهور القراء السبعة أئمة الأمصار الخمسة، وقد انفرد بنقل هذا النص الإمام أبو الحسن علي بن محمد السخاوي ( توفي 643ﻫ)[4].

قال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله- في كتاب القراءات له: “هذه تسمية أهل القرآن من السلف على منازلهم وتسميتهم وآرائهم:

فممن نبدأ بذكره في كتابنا هذا: سيد المرسلين وإمام المتقين محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أنزل عليه القرآن، ثم المهاجرون والأنصار وغيرهم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حُفِظَ عنه منهم في القراءة شيء، وإن كان ذلك حرفا واحدا فما فوقه.

قال: فمن المهاجرين -رضي الله عنهم-: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب قارئ مكة. ومن الأنصار -رضي الله عنهم-: أبيُ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، ومجمع بن جارية، وأنس بن مالك.

قال: ومن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- : عائشة، وحفصة، وأم سلمة”. قال: وقد علمنا أن بعض من ذكرنا أكثر في القراءة وأعلى من بعض، غير أنا سميناهم على منازلهم في الفضل والإسلام. وإنما خصصنا بالتسمية كل من وصف بالقراءة وحكي عنه منها شيء وإن كان يسيرا،  وأمسكنا عن ذكر من لم يبلغنا عنه منها شيء وإن كانوا أئمة هداة في الدين.

فأما سالم الذي ذكرناه فإنه كان مولى لامرأة من الأنصار، وإنما نسبناه لأبي حذيفة؛ لأنه به يعرف. وأما حذيفة بن اليمان فإنه عداده في الأنصار، وإنما ذكرناه في المهاجرين؛ لأنه خرج مع أبيه مهاجرا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن من ساكني المدينة، فهو مهاجري الدار أنصاري العداد، ونسبه في عبس بن قيس عيلان.

قال أبو عبيد -رحمه الله-: ثم التابعون، فمنهم من أهل المدينة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز قد كان بالمدينة والشام، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن هرمز الذي يعرف بالأعرج، وابن شهاب، وعطاء بن يسار، ومعاذ بن الحارث الذي يعرف بمعاذ القارئ، وزيد بن أسلم.

ومن أهل مكة: عبيد الله بن عمير الليثي، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد الله بن أبي مليكة.

ومن أهل الكوفة: علقمة بن قيس، و الأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، والربيع بن خيثم، وعمرو بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو زرعة بن عمرو بن حريز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعامر الشعبي، وهو عامر بن شراحيل…

يتبع في العدد المقبل إن شاء الله

———-

1.غاية النهاية: 2/18 ترجمة 2590.
2. النشر في القراءات العشر: 1/33- 34.
3. فهرسة ابن خير: 23.
4. الإمام أبو الحسن علي بن محمد السخاوي، كتاب جمال القراء وكمال الإقراء 2/424- 432.

أرسل تعليق