Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

٪ تعليقات

تربية الأبناء وأزمة التربية 1/2

 عود على بدء:                                                                      

فوفاء بالوعد الذي قطعناه في العدد العاشر من جريدة “ميثاق الرابطة”  بالاستمرار في مناقشة الإشكالية التي تمت إثارتها حول أزمتنا التربوية، نعود اليوم- بعون الله تعالى- إلى الموضوع لمناقشته، استجلاء لطبيعة الأزمة وحجمها ومنطلقاتها وأسسها الفكرية، حتى تتضح الصورة أكثر، ثم العمل من جميع الغيورين على أبنائنا وأمتنا- في إطار التقاسم- على البحث عن فرضيات ولو أولية للحل، أو على الأقل للتخفيف من آثارها وأغلالها المكشوفة، بحيث لا أحد يختلف حول اعتبار هذه الأزمة التربوية ضاربة الجذور في عمق حياتنا بجميع تشكلاتها، ولا ينكرها إلا جاحد للحقيقة  أو يسمي المسميات بغير أسمائها، وقد آن الأوان أن نفكر جميعا في قضية التربية – قضية الأمة الكبرى- والإسهام  بجدية لتجلية مكامن الخلل فيها، واقتراح الحلول الممكنة  للتخفيف من حدتها، إذ العمل على هذا الثغر من فروض ديننا الكفائية الملزمة لكل واع بأزمتنا الحقيقية هذه، بالعمل على تجاوز التسليم بالنماذج المنمطة للإنسان وسلوكه دون مراعاة للخصوصيات والمآلات.

وانطلاقا من المسؤولية تجاه أمتنا وأبنائنا، ورغبة في الإسهام  في تشخيص مظاهر الأزمة التربوية، والبحث في أسبابها، وفي مكامن الخلل التي كانت وراء بروزها، جاءت هذه المحاولة المتواضعة  لإثارة الإشكالات التي أفرزتها الأزمة على مستويات عدة منها المستوى المفاهيمي والفلسفي ولتنزيلي…

المستوى المفاهيمي

للإجابة عن السؤال الذي تم طرحه في العدد السابق حول مفهوم التربية في إطلاقها العام والخاص، مع عقد المقارنة بينهما، لمعرفة درجة إسهام المفهوم المحدد للتربية كما هو متداول على أرض الواقع [1] كمنطلق مفصلي في تلمس معالم الظاهرة، خاصة إذا علمنا أن المفاهيم تلعب دورا مفصليا في التأسيس ووضع الإطار العام، وضبط المسارات، ورسم المعالم لكل المشاريع في المجال الإنساني، ولكي تكون الرؤية واضحة عن علاقة المفاهيم بالأزمة التربوية، لا بد من طرح الأسئلة الجزئية الآتية:

1-    ما مفهوم التربية في إطلاقها العام؟

2-    وما مدلولها في إطلاقها الخاص؟

3-    ماهي مميزات كل منهما عن الآخر؟

4-    وما آثار تطبيق النموذج العام الذي ينطلق من تصور قاصر عن الإنسان والكون والحياة؟

1. إن التربية في معناها العام، قديما وحديثا، تعددت تعاريفها بتعدد فلسفات أصحابها، لكنها تكاد – مجتمعة – تتمحور حول ثلاثة أهداف رئيسية هي:

أ. إعداد الفرد- في مرحلة عمرية معينة – ليكون عضوا متعاونا مع المجتمع، وهو هدف التربية الوطنية والاجتماعية؛

‌ب. إعداد الفرد ليكون عاملا ومنتجا في المستقبل، وهو هدف اقتصادي مهني؛

‌ج. إعداد الفرد لمزاولة أنواع النشاط الإنساني التي تعين على استغلال أوقات الفراغ وهو هدف فردي يتخذه الشخص كهواية خاصة [2].

لكن هذا المفهوم قد تطور اليوم ولم يعد حكرا على مرب يطلقه هنا وهناك؛ بل صارت التربية قضية حيوية تشغل المجتمع البشري على أوسع نطاق من أجل بناء الإنسان الذي يستطيع أن يخوض معركة التغيير والتنمية فيها [3].

بل أكثر من ذلك، فقد فرضت التحولات الجذرية التي زحفت على جوانب الحياة المعاصرة، مفهوما جديدا للتربية يتمثل في التحول من العملية التربوية إلى الإستراتيجية التربوية لاستيعاب تحديات المستقبل المحتملة، وباستثمار خبرات الماضي وخصائص الحاضر في مواجهة تلك التحديات.

2. أما مفهوم التربية في معناها الخاص؛ فإنها تنبع من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، وتهدف إلى إيصال الإنسان  -شيئا فشيئا- إلى درجة كماله التي هيأه الله لها لتمكينه من القيام بواجب الخلافة في الأرض عن طريق إعمارها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله [4].

كما تهدف إلى المحافظة على فطرة الناشئة، وتنمية قدراتها، وتوجيه تلك الفطرة والقدرات كلها نحو صلاحها دنيا وأخرى.

وبالرجوع إلى المعاجم اللغوية وكتب الفكر التربوي الإسلامي، نجد هذا المعنى متداولا وشائعا، ففي مفردات الأصفهاني يعرف التربية بأنها “إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام” [5].

وهو المعنى المستفاد من لفظ التزكية باعتبارها المهمة العليا من بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءايتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم” [سورة البقرة، الآية: 128].

3. وبعد تحديد مفهوم التربية في معناها العام والخاص، وبموازنة بينهما نستنتج الفوارق الجوهرية التالية:

• إن التربية في مفهومها الخاص أوسع وأرحب بحيث يشمل جميع مكونات الإنسان العقلية والجسمية والنفسية والروحية؛ بينما لا تعنى التربية بمفهومها العام إلا ببعض هذه الجوانب.

• التربية في التصور الإسلامي عملية إعداد للإنسان في مراحل عمره كلها، تستمر من المهد إلى اللحد، ولا تقف عند حد (لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل) بخلاف التربية العامة فإنها تحصر مداها في مرحلة عمرية محددة.

• التربية الخاصة وسيلة لتربية المشاعر النبيلة، وتنمية الإحساس بالجمال الكوني، وتربية الضمير، وتربية الإرادة الحرة الواعية، والقيم الإنسانية والخلقية النابعة منها، وأنماط السلوك التابعة لها، وهذه الأهداف الكبرى للتربية  تكاد تكون مفقودة في منتوجنا التربوي؛ بل يعتبر غيابها جوهر المشكلة.

• التربية الخاصة تربط العملية التربوية للإنسان بغاية وجوده ألا وهي الخلافة في الأرض، وإقامة العبودية لله كاملة فيها، والتي يقتضي تحقيق كمالها من الإنسان أن يراعي  أبعادها في  مجال الكون والإنسان والحياة، لكن المفهوم السائد يقف عاجزا عن الرقي بإنسانية الإنسان إلى مستوى الرسالة التي خلق من أجلها.

• وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا هذا الاستفراد بالنموذج القاصر وفرضه على حساب النموذج الكامل في تربية فلذات أكبادنا؟ وإلى متى ستظل هذه النماذج المسندة بفلسفات مجافية لفلسفتنا النابعة من ثقافتنا المستمدة من الوحي، مهيمنة على عقولنا، جاثمة على صدورنا؟ ألا نعتبر بما آلت إليه ناشئتنا من فقر الروح، ومجافاة للقيم، وترد في السلوك، وتفاقم في أزمة الإنسان التي بات الجميع مقتنع بها، داعيا في صرخة – تارة – إلى تخليق الحياة الخاصة والعامة. وآخرون يؤكدون بتقاريرهم الفاحصة للواقع التربوي على فشل النظم والمشاريع الإصلاحية، مستعجلين الخطط والبرامج لتدارك ما يمكن تداركه، لكن بوتيرة لا تحسب سرعتها، ما يؤدى – غالبا- إلى نتائج عكسية.

إنها أسئلة تتطلب من جميع المهتمين بالشأن التربوي، الغيورين على ما آل إليه واقع تربية أبنائنا الذين هم أمانة في أعناقنا، ورصيد أمتنا حاضرا واستقبالا، ومعقد الآمال في نهضتنا وإثبات وجودنا، واسترداد عزنا ومجدنا… تتطلب من الجميع العمل على استجلاء أسباب الأزمة بموضوعية ونزاهة، واقتراح السبل المعينة على تجاوز بعض مفاوزها وذلك في إطار مشروع إصلاحي  للأزمة التربوية التي تخيم على حياتنا الخاصة والعامة، أداء لبعض الواجب الكفائي تجاه أمتنا التي اختارها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس.

 (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل)

——————-

1. سوق المفهوم منذ عقود على اعتباره النموذج التربوي الذي تفتق عنه العقل البشري ، لترسيخ مبدإ التماثل بين التربية والسلع الاستهلاكية .

2. سلسلة : من الشرق إلى الغرب / التربية كيف نفهمها اليوم / تأليف نظمي خليل / ص : 11.12

3. د. احمد علي الفنيش/ أصول التربية / الدار العربية للكتاب/ ص : 15

4. د. علي احمد مدكور / منهج التربية في التصور الإسلامي/ دار النهضة العربية / ص: 265

5. الراغب الأصفهاني/ معجم مفردات ألفاظ القرآن/ دار الفكر / ص : 189

التعليقات

  1. بشير الزياني

    بسم الله الرحمان الرحيم
    دكتور الأصبحي لو لم يكن أبي في الوجود لفضلت أن تكون أبي، فأنت نعم الأب و ليس لي إلا أن أقول:
    أنت الأب الروحي لي؛
    فأنا سأتتبع كل مواضيعك على هذا الموقع؛
    وأطال الله لنا في عمرك.

  2. الحسيـن أبـوخـــالـــد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن من آكد الأمور الملازمة للهم التربوي ـ التعليمي، والذي أتبثته التجارب كما لا يخفى عليكم أخي [ذ/علي الأصبحي] وعلى كل ممارس ومهتم أن العمليات كلها ترتكز أساسا على العنصر البشري المصوغ لأداء الرسالة، أي [أداة التنفيذ] بجميع مستوياتها، ونحن نتذكر ونذكر بجيل من الأساتذة الشيوخ نماذج [رحمهم الله تعالى وجزاهم عنا خير الجزاء] حيث إنهم حببوا التعليم والتعلم لطلبتهم وتلاميذهم:
    • بسلوكهم وأخلاقهم، ومنهم حفظنا [إنما الأمم الأخلاق ما بقيت….]؛
    • بلباسهم وهندامهم [ كانوا شامة بين أقرانهم من باقي الفئات….]؛
    • بضبطهم لأوقات عملهم، يسبقون إلى مكان عملهم دون تثاقل أو كلل، نسمع منهم عبارات مثل [أسرعوا ليس عندنا وقت نضيعه…]؛
    • يراقبون منجزات أعمالنا وأحوال أجسامنا فيثنون على من أحسن الثناء الحسن، وينذرون من خالف وعفن أو نتن…
    ناهيك عن دور المؤطرين في تسهيل مهام المدرس [المربي ـ المعلم]، فكان التكامل بين التأطير والتدريس، وأحيانا تكامل وتعاون بينهما وبين الأسرة…
    ورحم الله أحمد شوقي وإن كان لم يمارس، لكنه أبدع حين قال:
    قُــمْ لـلمعلّمِ وَفِّـهِ الـتبجيلا ……… كـادَ الـمعلّمُ أن يـكونَ رسولا
    لأعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي……… يـبني ويـنشئُ أنـفساً وعقولا؟
    سـبـحانكَ اللهمَّ خـيـرُ مـعلّمٍ……… عـلَّمتَ بـالقلمِ الـقرونَ الأولى
    أخـرجتَ هذا الـعقلَ من ظلماتهِ ……… وهـديتَهُ الـنورَ الـمبينَ سبيلا
    أرسـلتَ بالتوراةِ موسى مرشداً……… وابـنَ الـبتولِ فـعلّمَ الإنـجيلا
    وفـجّرتَ يـنبوعَ البيانِ محمّـــداً ……… فـسقى الـحديثَ وناولَ التنزيلا
    وإذا الـمعلّمُ لم يكنْ عدلاً، مشى …….. روحُ الـعدالةِ في الشبابِ ضئيلا
    وإذا أتى الإرشادُ من سببِ الهوى ……… ومـن الـغرورِ، فسَمِّهِ التضليلا
    وإذا أصـيبَ الـقومُ في أخلاقِهمْ ……… فـأقمْ عـليهم مـأتماً وعــــــويلا
    وإذا الـنساءُ نـشأنَ فـي أُمّيَّةٍ ……… رضـعَ الـرجالُ جهالةً وخمولا
    لـيسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ من ……… هــمِّ الـحياةِ، وخـلّفاهُ ذلـيلا
    إنَّ الـيتيمَ هـوَ الـذي تلقى بهِ ……. أمّـاً تـخلّتْ أو أبَـاً مـشغــــولا

    فأزمة التربية هي أزمة محدودة ومحصورة ومنحصرة، وليست متشعبة أو معقدة كما يتصور الكثيرون، وقد بدأ سيد المربين وسيد المعلمين (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) [مفردا] بتوجيه من مؤدبه ومربيه رب العالمين (سبحانه وتعالى )، وأفرغ الجهد وكابد وواجه بمنهج تعليمي وتربوي متصل بحياتي الإنسان [حياته الدنيوية، وحياته الأخروية] حتى أوجد حوله أفضل التلاميذ والطلبة (رضوان الله عليهم) وأعطوا للبشرية جمعاء نماذج من البشر فريدا ينذر أن تجود بهم أو بمثلهم أرقى المناهج التعليمية والتربوية التي ابتكرها وأوجدها البشر، فمهما أبدع الإنسان يبقى إبداعه ـ أمام إبداع خالقه عز وجل ـ إبداعا غير تام.

    (الحسين أشقرا)
    )

أرسل تعليق