Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

٪ تعليقات

التوحيد والإنسان (1)

      قال الله تعالى: “وَمَنْ يشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِن َالسَّمَاءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ” [سورة الحج، الآية:31]. وقال جل شأنه: “اِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن ْيُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ اِفْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا” [سورة النساء، الآية: 48].

      أريد في هذه الحلقة إبرازَ القيمة الكلية الجامعة التي تتفرع عنها سائر القيم التشريعية في القرآن الكريم، انطلاقا من النظر في المكانة المعيارية المهمة التي يشغلها التوحيد في الإسلام.

      فمن المعلوم؛ أن التوحيد جوهرُ الدين، وقطبُ رحى الإسلام، والمَقْصَدُ الأسنى لرسالة القرآن؛ ولا يخلو موطن أو موضع  في القرآن من تقريره، وتوكيده، والتنويه به.

      والسؤال: لماذا تبوَّأ التوحيدُ هذه المنزلةَ العظيمة الخطيرة في الإسلام؟ لماذا لا يغفر الله أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؟ وما علاقة التوحيد بحركة الإنسان في الأرض ومعاشه ونشاطه التاريخي، وسائر أحواله وعلاقاته ومؤسساته؟

      والجواب عن هذا السؤال ذو شجون، ربما لا يتسع المقامُ لبسطه وتفصيله، ولكن لنقل بإجمال: إن التوحيد هو ناموسُ النظام الكوني، ومناطُ الاجتماع الإنساني. ومن جهة أخرى التوحيد هو صمَّام الأمان، والإطار الأمثل لتحقيق مفهوم الإنسان الكامل بأبعاده الفردية والاجتماعية والحضارية.

      إن المقصد من رسالة التوحيد في الإسلام حفظُ الإنسان، وصونُ حقوقه وممتلكاته، وحرمته، وكرامته المعنوية من جميع أشكال الخرق والهَتْكِ والعَسْفِ التي تحصل في الواقع نتيجة لباعثين اثنين هُمَا: الطغيان، والاستضعاف.

      الأول (الطغيان): وهو مرضٌ نفسي يصيب النخبة اغتراراً بسلطة القوة، أو سلطة الثروة؛ فتطغى وتعدو قدرها، وتتجاوز طورها الإنساني إلى درجة التألُّه؛ أي ادعاء ملكية “الأشياء”، وتقرير مصير “الأشخاص”!! وقد يكون الطغيان ضرباً من الغرور العقدي، وادعاء القداسة واستغلالها بحيث يتوهم المرء أنه يستطيع أن يُصَنِّف الناس إلى سعداء وأشقياء، ومقبولين ومردودين، ويحكم على مصيرهم، ويَصُكَّ لهم الصّكوك!!

      وفي صحيح مسلم مرفوعا “أن رجلا قال واللَهِ لا يغفر اللهُ لفلان، وإن اللهَ تعالى قال مَنْ هذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ ألاَّ أغفرَ لفلان، فإِنِّي قد غفرتُ لفلانٍ وأحبطتُ عملَك”، وفي موطأ مالك أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه، وفي التنزيل: “مَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُوتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوءَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ” [سورة اَل عمران، الآية:78].

      ولقد كان للمعنى التوحيدي الإسلامي أثرٌ عظيمٌ في وقاية هذه الأمة من غائلة الاستبداد الديني، والتظاهر بالقداسة واستغلالها وتسخيرها، ومنع نظام الإكليروس، والإغراءِ بمناقشة مشروعيته ووجوده في الأديان الأخرى.

      والثاني (الاستضعاف): وهو كذلك مرضٌ نفسي يصيب السوادَ الأعظم من البشر، فيفقدُها إنسانيتها، ويحيلها إلى قطعانٍ بشرية مدجَّنة؛ لا تستطيع أن تُعبّر عن رأي، ولا تَقدِرُ على شيء، ولا تشاركُ في تقرير مصيرها ومستقبلها؛ وإنما حالها كما أخبر سبحانه عن الإنسان غير المُوَحِّد: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [سورة النحل، الآية: 76].

      فالإنسان حين يطغى أو يُذِلّ نَفْسَه أو يُعَرِّضهَا للصغار والمهانة، فإنه يَلْبِسُ إيمانَهُ بظلم، ويناقضُ رُوحَ توحيدِهِ ولُبَابَ عَقْده وإيمانه. ولذلك، كان برنامج الإسلام العقدي والثقافي والاجتماعي والسياسي الالتزامَ بالخَطّ الوسط بين الطغيان والاستضعاف الموسوم ب(الاستقامة)، وهو عبارة عن خطِّ العدل الذي يُحتِّمُ على الفريقين معا (يعني الطغاة والمستضعفين) العَوْدَ إلى طاعة الله والاعتراف له بالخضوع والمِلكية الحقيقية والتصرف.

      ومن ثَمَّ، عَرَّفُوا التوحيد بأنه “لا يستحقُّ الخضوعَ شيءٌ سوى الله”؛ وهو يتجسّد في وعي المكلفين وعقيدتهم، ويتجلّى في أوضاع الأمة الفردية والمجتمعية، وتربية ناشئتها وأجيالها، وصياغة نظم حياتها وثقافتها ورموزها وفنونها على عدم الإذعان والانقياد لغير الله تعالى. فكُلًّ مخلوق –عَدَا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم- يُؤْخَذُ من كلامهِ ويُرد، وتُناقشُ أوامره، وتُعْرف وتُنْكَر، وتُنتقدُ أفعاله وتصرفاته… بمعنى أن التوحيد هو القطبُ المناقض بالضرورة لثقافة التقديس، وثقافة التبعية، والطاعة العمياء التي تُفرزها الإيديولوجيات المختلفة المكرسة لترويض أتباعها على الصّمت والخضوع المطلق!

      إنها ثقافة التشريك أو الصّنمية التي تتبدّل أشكالُها ولَبُوسَاتُهَا في التجربة الإنسانية التاريخية، ولكن جوهرها واحد يتكرر في المظاهر الثلاثة الآتية:

      الأول: سيطرة القوي على الضعيف، وسلبه حريته في الرأي، وحريته في التعبير، وحريته في الحركة والتصرّف…

      والثاني: سلبه ممتلكاته؛ والاستئثار بفرص العيش دونه وكذا بموارد الثروة العامة.

      الثالث: تشكيل وعي الضعفاء وإرادتهم وثقافتهم وإعلامهم وتعليمهم؛ ليصبح القهرُ والسلبُ والجبر والاستضعافُ جزءًا من عقيدتهم، ولغتهم اليومية، وقيمهم الفكرية والاجتماعية!!

      وبالمقابل، يحقّق التوحيد للإنسان ثلاثة أمور أساسية:

      الأول: نعمة الحرية؛ حرية الإنسان الحقيقية والكاملة في توحيد الله تعالى، حيثُ لا وسيط بينه وبين الله تعالى، ولا يستطيع أحدٌ أن يحكم عليه أو يقرر مصيره نيابة عن الله، ولا يسوغ لأحد أن يَدَّعي حقَّ السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربّه، أو ينازِعَه في طريق نظره واجتهاده، كما لا يسوغ لأحد أن يسترق إنساناً أو يستعبده؛ لأن الشارعَ متشوّف إلى الحرية، وقد عبر علي رضي الله عنه عن هذا المبدأ الأصيل بقوله: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

      الثاني: نعمة التسامي؛ وهي وعي الإنسان بإنسانيته الفطرية كما جبل عليها، مِمَّا لا يسمح بأي شكل من أشكال تدجينه، أوتسخيره، أوتَشييئِه بمعنى تحويله إلى متاع يُمْلَك… لأن الإنسان في ظل التوحيد يَمْلِكُ ولا يُمْلَك؛ إنه ليس شخصية تسويقية قابلة للتبادل والمقايضة، كما أنه ليس “رقماً استدلالياً” على نحو ما تصطلح عليه المؤسسات المالية، كما أنه ليس “صوتا انتخابياً” يُبَاعُ ويُشترى، ولا مسماراً في آلةٍ… وإنما هو الإنسان المُكَرَّم وحسب!

      الثالث: نعمة المساواة مع الغير؛ فإن “الحرية إنما ينالها المرءُ بعد شعوره بوجوب مساواته مع غيره فيها، وإلا كانت الاستعبادَ الذي نُفِّرَ منه”.

      فالتوحيد يحقق للمرء المساواة مع غيره في ضرورة تصريف شؤونه ومصالحه، وتقرير مصيره ومستقبله… وهو الذي يُشعره بذاته المستقلة التي تأبى الفناء في الآخرين، والانمياع فيهم، ويمنحه القدرة على مراجعتهم ومساءلتهم ومفاوضتهم، وقول “لا” حيث يجب أن تقال!!

      والخلاصة:

      إن التوحيد هو القطب الإيجابي المؤتمن على حفظ إنسانية الإنسان من الوقوع أو التورط في مَصَارِعِ الطغيان أو طبائع الاستضعاف. والإسلام إنما أَدَارَ جميعَ أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ على هذا المحور القطْب، وشدَّدَ على نبذ كل المفاهيم والقيم والأوضاع التشريكية؛ وعدها ظُلْماً عظيماً، وإثماً مبيناً؛ لأن خرق سياج التوحيد يفضي إلى مفاسد رهيبة في حياة الإنسان ووجوده وتوازنه، وثقافته، ونظرته إلى نفسه، وعلاقته بالآخرين…

      إن مغزى التكليف التوحيدي: أن تتحقق إنسانية الإنسان على الفطرة التي فطره الله عليها، وأن تنتفي عَوَامِلُ الفتنة وعوارض التبديل والتحريف التي تَروم سلبَها أو تشويهها أو إعاقة نموها الطبيعي!

وللحديث بقية والسلام.

التعليقات

  1. أبو زياد مجيد

    سلام الله أيها الإخوة الأفاضل
    نشكر الأستاذ الفاضل على توالي الرقي بالنفس من خلال المواضيع المتناولة، والتي تنم عن حرصه المتواصل لحفز الهمم وإرشاد الناس إلى تغيير ما بأنفسهم حتى يغير الله أحوالهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم..
    وبما أن التوحيد هو جوهر الدين وقطب رحى الإسلام -كما ورد بسطور أستاذنا الفاضل- فيجب علينا معشر القراء أن نهتم بهذا القطب ونؤسس له داخل ذواتنا وأنفسنا ونستشعر هذه الطاقة التوحيدية فنحرص عليها ونرعاها ولما لا إشعاعها في محيطنا القريب وبذلك نسير على سيرة المصطفى في ترسيخ عقيدة التوحيد في مجتمع اليوم الذي غذا غياب الوازع العقدي فيه أمرا بسيطا لا يحرك ساكنا مما نتج عنه توالي سقوط أخلاق الأمة ولبناتها الأساسية كمؤسسة الأسرة وقضية المرأة وسياسة التعليم… الخ لذلك يمكننا إدراك مسألة التوحيد ليس بالمعنى الضيق ولكن كما عرض له أستاذنا الفاضل؛ بأن يسهم سواء على المدى القريب أو البعيد في الرقي بأنفسنا رقيا يدعونا إلى معالجة النفوس والأفعال ابتغاء لاكتساب القيم الإسلامية جملة وتفصيلا…
    وخلاصة القول أن بارك الله فيكم كاتبا موفقا.. وجريدة متميزة للإشعاع العلمي المتجدد ومشكاة لنور الإسلام القائم على أساس التوحيد.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله خير الجزاء..

  2. أبو زياد مجيد

    سلام الله عليكم وجعلنا ممن اهتدوا بهدي التوحيد
    لا أحد يمكن أن ينكر حلاوة التوحيد ففيه يشعر الإنسان بما حباه الله به من النعم وبه يجعل لحياته الدنيا مسارا هادفا رغم زوالها ولحياته الآخرة لبنات دائمة ليحيى فيها..
    والتوحيد أيها الأفاضل يعطي لمسألة استخلافنا في الأرض قدسية ومعنى فهذه الأمانة التي قبلها الإنسان هي المقصد الأهم والغاية المثلى من خلق الله له. والله تعالي يقول "وما خلقت الإنس والجن الا ليعبدون". فالله قرر بقدرته المطلقة استخلاف هذا الإنسان فقط ليوحده ويعتقد بشكل إيماني راسخ بأنه الواحد الأحد ولا رب سواه ومعلوم أن كل ما مكنه الله للإنسان من أرض وماء وليل ونهار… إنما سخرها تيسيرا لتوحيده والاعتراف بألوهيته وربوبيته المطلقة ولكن الإنسان كفورا.
    أيها الأفاضل إن الله هو الغني ونحن الفقراء وبدون التحيز للتوحيد لن نجعل حياتنا إلا شقاء وقنوطا، فجزا الله أستاذنا الفاضل إذ أثار مسألة التوحيد وجعل مراجعتها وتدبرها مدخلا للرقي بأنفسنا وطلب صلاحها والله ولي التوفيق.
    وجزى الله عنا الكاتب والميثاق أفضل الجزاء.
    ودمتم في رعاية الله موحدين وسالمين..

أرسل تعليق