Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

أسس الفكر الوسطي (2)

      سبق الحديث في النقطة الأولى عن بيان كيف يتسلل التعصب إلى عقائد الناس وأفكارهم وأديانهم، وأود في هذا الجزء المتبقي؛ الذي يتخذ بعدا إيجابيا في تناول الموضوع، إبراز الأسس الكبرى التي يقوم عليها الفكر الوسطي.

      •  وعليه، فأتصور أن الفكر الوسطي الذي يفرز معاني السماحة والتعاون والاحترام يقوم على الأسس التالية:

       أولا: أساس الاعتراف بالاختلاف

      وهذا الأصل في الإسلام عقيدة شرعية، وحقيقة كونية؛ تتلخص في أن الله جل وعلا اقتضت مشيئته أن يخلق الناس مختلفين في أديانهم وعقولهم وألسنتهم وألوانهم وصورهم وأعراقهم، فمن يظن أنه يستطيع أن يحمل الناس على نمط واحد، ومذهب واحد، وموقف واحد فإنه يخالف المشيئة والحكمة؛

       ثانيا: نفي الإكراه

      تأسيسا على قوله جل وعلا: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” [البقرة، 256].

      وهذه الآية قوام الملة، ودستور الإسلام، وهي من كليات القرآن وعقائده وأصوله وتعني أن الدين يتنافى مع الإكراه جملة وتفصيلا، فلا يجوز باسم الدين أو باسم نصرة الدين حمل الناس بالجبر والقهر على حكم من أحكامه أو عزيمة من عزائمه حتى لو تعلق الأمر بالإيمان… ولا يجوز لأحد أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد، أو ينازعه في طريق تفكيره ونظره…

      والبديل عن منهج الإكراه هو الحوار والمفاوضة على أساس الإقناع العقلي، ومقارعة الحجة بالحجة، والاستدلال المسند إلى البيانات والأدلة والشواهد، إذ شأن العالم ودأبه وديدنه إيثار أسلوب الإقناع على أسلوب الإكراه، ومشروع الإسلام العام هو الحفاظ على النظام الاجتماعي بواسطة الإقناع الفطري الذي يتجسد في اختيار العدل والمصلحة، والإذعان لما تلقته العقول السليمة بالقبول؛

       ثالثا: مراعاة المشترك الإنساني الفطري

      هذا أساس آخر من أسس الفكر الوسطي ومعناه أن في فطر الناس أمورا كثيرة تجمعهم وتوحد بينهم؛ فالناس بمختلف مللهم وأديانهم وأعراقهم وثقافاتهم ينشدون العدل والحرية والأمن والسلام والرفاه والتضامن، ويكرهون الجور والظلم والقهر والدماء والحرب والعنف والإقصاء الاجتماعي والتمييز العنصري… فهذه كلها قيم إنسانية مشتركة بين جميع أهل الأرض؛

       رابعا: إخلاص الولاء للحقيقة العلمية

      إذ ينبغي أن يكون إخلاصنا للحق، وإيماننا به أشد وأعظم من إخلاصنا وولائنا لآبائنا وأقوامنا وقبائلنا وجماعاتنا وسائر دوائر الانتماء التي يرتبط بها الإنسان؛

       خامسا: نبذ الغلو والمبالغة

      يعني أن نعد مناقبنا وخصائصنا ومنجزاتنا أكبر مما هي في الواقع، أو بعبارة أخرى ينبغي ألا يتملكنا الزهو والغرور في النظر إلى أنفسنا، وفي تقييم خصالنا ومناقبنا أو مناقب الجماعة التي ننتمي إليها.

      •  والغلو هو ذريعة اصطناع القداسة الذي ابتليت به الملل السابقة، والإسلام بوصفه الدين الخاتم ما فتئ يحذر أمته وأتباعه من آفتين:

      – الأولى: التظاهر بالقداسة وتكلفها؛

      – والثانية: استغلال القداسة لأغراض شخصية ومادية.

      وفي القرآن آيات كثيرة للتنديد بهاتين الآفتين نحو قوله تعالى: “ياأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الاَحبار والرهبان لياكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله” [التوبة، 34]؛ وقال:  “وَمِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ اِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ اِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ اَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ” [اَل عمران، 75-76].

      – “وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ اَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ” [المائدة، 18].

      – “وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا اَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ اَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” [البقرة، 111-112].

      – “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” [البقرة، 113].

      فهذه الأماني والدعاوى والشعارات لا علاقة لها بالدين الحق، ولا تمت إليه بسبب أو نسب، ولكن أصحابها يصرون على إلحاقها به، وإسنادها إليه بهتانا وزورا، وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جندب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؛ فإني قد غفرت لفلان وأحبطتُ عملك”.

      وفي هذا السياق كذلك وردت وصية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص حين أمره على جيش العراق فقال: ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن وهيب خال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه؛ فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء؛ الله ربهم، وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه؛ فإنه الأمر، هذه عظتي إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين”[1].

      وكتب أبو الدرداء إلى أخيه سلمان الفارسي رضي الله عنهما أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: “إن الأرض لا تقدس أحدا، ولكن يقدس الإنسان عمله” والحديث في موطأ الإمام مالك؛

      – سادسا وأخيرا: العصبية والتعصب: والتعصب هو رفض الآراء المخالفة، وإقصاء الرأي المخالف وإلغاؤه، ولعل من أكثر دلائله وآثاره: إقصاء الآخر وطرده وتصفية وجوده، كما بينه جل شأنه بقوله: “لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين” [المائدة، 28] بمعنى أن يتحول اختلاف الرأي إلى استعداد نفسي وعقلي لوضع حد لوجود الآخر.
ومن لازم العصبية: تشديد الخناق على حرية الاجتهاد والرأي وما إلى ذلك من حرية الاعتقاد والنظر والقرار؛ ومعاداة التنوع الثقافي والفكري.

      – ومن لازم العصبية كذلك: الجنوح إلى الأحكام القاطعة، وذلك بأن نجزم في المسائل الخلافية والاجتهادية بطريقة لا تتناسب مع الأدلة والشواهد، أو نعارض أو نعادي فردا أو جماعة أو مشروعا أو فكرة دون أن نتوفر على أدلة محكمة أو تصور دقيق.

      وكل حكم نصدره بشأن قضية أو شخص أو مشروع دون معرفة ضافية أو أدلة قوية حتى لو كان لتزكية ذلك الشخص أو مؤازرته يتنافى مع مسؤوليتنا الفكرية وضميرنا العلمي، والسلام.

————————————————-

  1.  أخرجه ابن جرير [4/84].

أرسل تعليق