Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

التربية العقلية في الإســــلام..(36)

ذ. أحمد أيت المقدم

اعتاد الباحثون أن يختموا بحوثهم بأهم النتائج التي توصلوا إليها من خلال رحلتهم مع البحث، ويقدموا توصياتهم ومقترحاتهم بشأنه.

إن من الصعوبة بمكان أن نذكر نتائج هذا البحث كلها، فذلك مما يزيده طولا وسعة، وعليه فإنني سأكتفي بذكر بعض المقترحات التربوية المرتبطة بالموضوع.

أولا: يجب العمل على تحرير العقل والفكر وتحرير الإنسان من أصفاد الجهل وظلمته دون هوادة؛ لأن الجهل يقتل مواهب الفكر والنظر، ويطفئ نور القلوب، ويعمي البصائر ويميت عناصر الحياة والقوة في الأفراد والجماعات والأممويفسد على الناس مناهج والاستقامة والسلوك المستقيموالجهل هو الذي يجعل النفوس مستعدة لقبول الزيف والبدع والأهواء والانحرافات والأساطيروبالتركيز على محاربة التجهيل الممنهج.

ثانيا: يجب كذلك تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته تربية إسلامية تقوم على حرية الفكر، واستقلال الإرادة ليكمل بذلك العقل ويستقيم التفكير، وتكمل الشخصية الإنسانية؛ لأن كمال العقل واستقامة التفكير، أساس في صحة العقيدة وكمال التدين، ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، ومعرفة الباطل الذي يجب أن يجتنب.

ثالثا: لابد أن نتوسل إلى التجديد في التربية والتعليم بتأطيرهما، وتأسيسهما بأحدث وأقوى المناهج العقلية، وأقدرها على مدنا بأسباب الإنتاج الفكري، ولو أننا حصلنا ملكة منهجية عمل التغلغل في تجربة الإيمان على فتح آفاقها، لتمكنا من إقامة فكر إسلامي جديد.

رابعا: يجب أن يراعى في اختيار الأساتذة التأهل التربوي، إلى جانب تكوينهم العلمي الأكاديمي بغية إحداث التأثير المطلوب في سلوك النشء وعاداتهم، وطرق تفكيرهم وتقويمهم فكرا وسلوكا.

التربية العقلية في الإســــلام..(34)

خامسا: يجب تربية التلاميذ على البحث العلمي الهادف لينشئوا على التحصيل والعطاء طوال حياتهم، وبذلك يكونون قادرين على التجديد والخلق والإبداع، لتجاوزفقر الإبداعالناتج عن افتقارنا إلى الإحساس بخصوصيتنا، ولانعدام الانتماء إلى مشروعنا الحضاري الذي فجر فينا طاقات الإبداع.

سادسا: يجب تدريب المتعلم على النقد الذاتي الذي يحمل صاحبه المسؤولية في جميع ما يصيبه من مشكلات ونوازل، أو ما ينتهي إليه من فشل لئلا يبحث عن مبررات خارجية، وينسب أسباب الأخطاء أو التصور والفشل إلى الآخرين. قال تعالى: “وما أصابكم من مصيبة بما كسبت اَيديكم” [الشورى،  30]. 

سابعا: يجب على المؤسسات التعليمية أن تشعر التلميذ بأنه يستطيع أن يقوم بالعمل الحضاري المطلوب لأنه من اختصاص عقله وطاقاته التي زود بها، ولكن في ضوء الوحي الإلهي الذي وضع الحقائق الكلية أمامه[1]. 

ثامنا: يجب على المؤسسة أن تجعل التلميذ، يتحرك في ظل منهج عملي عقلي واضح، وأن توجهه إلى النظر والتفكير، ليصل عن طريق المشاهدة والملاحظة والاستقراء والاستنباط، إلى الحقائق والقوانين التي يستغلها لإحداث التغيير المطلوب والتجديد المستمر في الحياة الإنسانية الكونية.

تاسعا: يجب على المؤسسات التعليمية أن توازن في كيان الإنسان بين جوانبه الحيوانية والعقلية والروحية، لكي يحصل الاتزان المطلوب في سيره لأداء الأمانة الكبرى، التي هي إنشاء الحضارة الفاضلة..

عاشرا: إذا كان الإنسان مخلوقا من المخلوقات الكثيرة على هذه الأرض، التي يمتاز عليها بميزة الاستقامة والخلق السوي وخصوصية التفكير الذي يمكنه من إدراك الحقائق الخارجية والتعبير عنها وعما في نفسه من المشاعر والخلجات؛ فإن إهمال تلك المميزات الخلقية والروحية والعقلية التي كلفه الله بها وجعله مسؤولا عنهما، يعتبر إهانة للإنسان واحتقارا له.

حادي عشر: يجب تدريب المتعلم على الاجتهاد ونبذ التقليد، وذلك يجعله ينظر في الأفكار الجديدة، وفي الواقع ثم يقارن الفكر بالواقع، ويتوخى المناسبة والصحة، ويكتشف نتائج هذا الربط.

ثاني عشر: والجدير بالذكر هنا أن العقل يعتبر مناط المسؤولية، وبه ميز الله الإنسان عن غيره من المخلوقات، ليفهم واجبه ودوره في الاستخلاف، والقيام به على أتم الوجوه، وأحسن الأحوال، ولهذا التمييز وهذه الأهمية فقد شرع الله لنا من التشريعات والأحكام ما يبين مقصد الحفاظ على العقل في الشريعة، وحيويته واستمراره في العمل، وعدم تعطيله أو إلغائه، وأنه ضمن كليات[2] لا تقوم ذات الحياة إلا بها.

ثالث عشر: أن تعطيل القدرات العقلية واللجوء إلى المحاكاة، والاكتفاء بالمألوف القائم، هو التقليد بعينه، سواء تم تقليد نماذج قديمة جدا، وأخرى جديدة جدا.

رابع عشر: إن ما سبق إيراده من من الإشارات القرآنية والتوجيهات الإلهية الداعية إلى الاهتمام بالعقل من خلال الصور والوجهات السالفة الذكر؛ لا يدع مجالاً للتشكيك في بيان هدايات القرآن حول مقصد الحفاظ على العقل، وما يترتب على ذلك الحفاظ من المصالح والمنافع، وأن أي اعتداءٍ على العقل إنما يعني الاعتداء على ذات الإنسان، وأن أي استخفاف بالعقل إنما يعني الاستخفاف بالجنس البشري، وهل البشر مكرمون إلا بهذا العقل؟ وهذه حقيقة لا بد من إدراكها، وتعليمها للناشئة، وتربية الجيل على احترام العقل ووظائفه المرسومة

يتبع في العدد المقبل..

—————

1. أزمة المثقفين اتجاه الإسلام في العصر الحديث، ط. 1985.

2. المقصود بذلك المقاصد والكليات الخمسة وهي: حفظ الدين، والنسل، والعقل، والمال، والعرض.

المقال التالي

هذا آخر مقال

أرسل تعليق