Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

مفهوم الاستدلال الحجاجي.. (3)

2. الاستدلال بين البرهان والحجاج

الاستدلال بين البرهان والحجاج

البرهان والحجاج بنيتان استدلاليتان متقابلتان[1] توصل التنظير الحديث في مجال المنطق وفسلفة اللغة وفقه العلم (Epistemologie) إلى التمييز بينهما[2].

ولقد كانت ثنائية اللغة الصناعية الصورية واللغة الطبيعية الإطار الإشكالي الذي انبثقت منه المناقشات ووجه البحوث في هذا الشأن: فقد ميز النظار المعاصرون بين اللغة الصورية واللغة الطبيعية، وفيصل التفرقة بينهما يكمن فيما يلي:

أ. أن اللغة الصورية أو الصناعية تنحو منحى الاستقلال والتجرد كلية عن الاعتبارات التداولية[3] كالذات والمقام، في حين تظل اللغة الطبيعية وثيقة الصلة باقتضاءات التداول وجارية على قانونه وسننه، فلا تنفك عن ذات المتكلم ومقام التكلم وزمان ومكان التلفظ؛

ب. أن الأولى تعتمد على ما هو صريح وواضح لا احتمال فيه، بينما تنطوي الثانية على بنيات متعددة تجعلها تؤدي مجموعة من الوظائف التي تتفرد بها وتستلزم آليات معقدة على مستوى الفهم والتأويل؛

ج. أن اللغة الصورية تعتمد على آلية استدلالية صناعية اصطلح عليها بالبرهان، بينما تستند اللغة الطبيعية إلى آلية استدلالية طبيعية غير صناعية اختصت باسم الحجاج[4]..

2-1. مفهوم البرهان

لقد استعمل لفظ البرهان للدلالة به على معاني ثلاثة أساسية تختلف باختلاف اليقين المحصل منه[5]:

أ. فقد يعني الاستدلال الذي تكون مقدماته يقينية، واليقين في هذا المستوى لا يكون إلا يقينا تحكميا لا يقينا معللا؛

ب. وقد يراد به الاستدلال الذي يتبع قواعد ضرورية، واليقين هنا معلق لا مطلق؛

ج. وقد يقصد به الاستدلال الذي يتبع قواعد موضوعة، فلا يتحصل في هذا الموطن إلا يقين اعتباري لا حقيقي..

يتبع في العدد المقبل..

——————————————————

1. لقد ارتأينا من الأفيد أن نسلك مسلك المقابلة في التعريف والتحديد، فنحدد مفهوم الحجاج بمقابله وهو البرهان. ومعلوم أن مسلك المقابلة ذو فائدة إجرائية عظيمة وأثر بليغ في الإحاطة بمعاني الألفاظ ومدلولاتها وضبط حدودها، بل إن المقابلة آلية استدلالية تستدعيها مقتضيات التبليغ والتواصل في اللسان الطبيعي، كما تعتبر أسلوبا أبلغ وآكد في الوصول إلى الأغراض المتوخاة والمقاصد المطلوبة.

2. التقابل بين البرهان والحجاج عرفه المتقدمون كما أخذ به المتأخرون، غير أن هناك اختلافا جوهريا بين الموقفين بينه الدكتور طه عبد الرحمان بقوله:

أ. أن للتصور القديم انشغالا بمضمون الدليل بينما للتصور الحديث انشغال بصورة الدليل، فاليقين والظن قيمتان تتعلقان بمحتويات قضاياه، في حين أن وجود القواعد المحددة لهما وجهان يتعلقان بصيغ هذه القضايا.

ب. أن البرهان والحجاج في التصور القديم يتفقان صورة ويختلفان مضمونا، إذ الدليل الحجاجي كالدليل البرهاني يتوسل بالأشكال القياسية المعلومة، بينما في التصور الحديث، على العكس من ذلك يتفقان مضمونا ويختلفان صورة، إذ لا فارق في مقدماتهما، إذ كلها عبارة عن قضايا تقريرية بنائية، فليست الضروريات والبديهيات أقل احتياجا إلى إرادة المستدل ولا إلى نظره من المسلمات والنظريات.

ج. أن التصور القديم يعد البرهان استدلالا صحيحا صحة مطلقة في حين يعده التصور الحديث صحيحا صحة مقيدة، فلا صحة إلا ضمن نسق مخصوص ولو أن جل المبرهنات المعلومة مشتركة بين مختلف الأنساق المشهورة، إذ يبقى دائما في الإمكان إيجاد قضية واحدة على الأقل تصح في هذا النسق ولا تصح في ذاك، وفي هذا كفاية لإقرار التعدد في الخاصية البرهانية

 د. أن التصور القديم يعد الحجاج= استدلاليا صحيحا صحة البرهان على مخالفته له في قيمة المقدمات، أما التصور الحديث فيعده استدلالا فاسدا بخلاف البرهان على موافقته له في قيمة المقدمات. اللسان والميزان،  ص: 62، ط 1، 1998، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

3. نقصد بالاعتبارات التداولية جملة العناصر المؤثرة في إنشاء الخطاب وفهمه كالسياق والقصد والظروف الملابسة للخطاب.

4. اللغة والمنطق، د حسان الباهي، ص: 49 وما يليها، ط 1، 2000، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

5. فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة، د طه عبد الرحمان، ص: 189، ط1، 1995، المركز الثقافي العربي، البيضاء.

أرسل تعليق