Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

تعليق واحد

التوحيد: تمام الحرية في جمالية العبودية

      تعددت معاني تعريف التوحيد في التصور الإسلامي إلا أنها تجتمع في معنى النفي والإثبات. واختلف  أهل العلم في تقسيمه اختلافا تنوعيا، فذكر بعضهم أنه قسمان: توحيد المعرفة والإثبات، والقصد منه الإيمان بوجود الله والإيمان بربوبيته والإيمان بأسمائه وصفاته، وتوحيد القصد والطلب ويعني الإيمان بألوهية الخالق سبحانه وتعالى.

      وقسمه آخرون إلى ثلاثة أقسام ـأُريدَ لها في عصرنا هذا أن تأخذ المنحى الوحيد في العقيدة الإسلاميةـ وهي: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات..

      ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاء من قسم التوحيد إلى أربعة أقسام: الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، ثم الإيمان بأسمائه وصفاته.. وهكذا دواليك، تعددت هذه التقسيمات الاصطلاحية بتعدد المدارك والمدارس الاجتهادية التي ظهرت منذ القرن الثالث الهجري، وإن كانت تعبر عما كان يروج في البدايات الأولى لتاريخ الفكر الإسلامي في القرن الأول، مما جعل العلم الذي كان يهتم بالعقيدة يسمى بمسميات متعددة، إذ أطلق عليه آنذاك “علم أصول الدين” وأيضا “علم التوحيد” و”علم التوحيد والصفات” و”علم النظر والاستدلال”.. ولكل تسمية معنى خاص بها حسب المهمة الموكلة للعلم القائم بها وللعالِم القيم عليها، وإن كانت في مجملها تنتمي لحقل معرفي واحد..

      ولست بصدد مناقشة هذه المسألة ولا التي قبلها في هذا العرض المقتضب، لكن الذي أريد الإشارة إليه أن هذه الأمور السابقة مجتمعة اتخذت أبعادا نظرية جعلت الباحث في التوحيد يشعر أنه يغرق في علم من التصورات والتجريديات.. وكلما ازداد غوصا ازداد بعدا أفقده الإحساس بجمالية “لا إله إلا الله”.. تلكم الكلمة العظيمة التي ملأت الدنيا طيبا وبهاء ونورا وحسنا، وأعطت الإنسان شعورا بأسمى معاني الحرية قبل أن تتيه به التصورات البشرية في بحر لجي من الكلام تتجاذبه التفريعات والتقسيمات والجدالات..

      إن كلمة التوحيد هي أولا وقبل كل شيء لطف رباني حبا به الكريم سبحانه وتعالى الإنسان ليخرجه من ظلمات أوهام العبودية لغير الله إلى نور الحرية التي تفيض بأنوار الجمال وكمالات الجلال..

      إن حقيقة كلمة “لا إله إلا الله” جاءت لتنفي عن الإنسان سلبية الإرادة وتكسر فيه معاني الخضوع والخنوع والذلة والانقياد لغير الله.. لقد علمته هذه الكلمة العجيبة أشياء كثيرة:

      •  علمته أن يتحرر من سلطة ذاته عليه، فيشعرها أنه ليس ملكا لها تفعل فيه ما تشاء..

      • علمته أن يتحرر من سلطة أهوائه ورغباته التي تفرض عليه الانسياق وراءها إلى أن تورده المهالك..

      •  علمته أن يتحرر من سلطة أخيه الإنسان الذي يميل أحيانا إلى قهره وجبره على ظلم كظلمات بعضها فوفق بعض..

      •  علمته أن يتحرر من سلطة المجتمع وجبروته حين يستبد ويفرض عليه الانفلات من ضوابط القيم، ويرغمه على الفرار تجاه العبثية والفوضوية والعدمية..

      حين يتحرر الإنسان العابد من هذه القيود وغيرها، ويسعى جاهدا للفكاك من قيودها والانعتاق من أغلالها، فإنه آنذاك سيتفاعل بشكل إيجابي وفعال وواقعي مع معاني ودلالات الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وسيفهم معانيها الجميلة التي ستحول حياته لتجعل منه إنسانا حرا بشتى معاني الحرية، يتواصل مع خالقه بعيدا عن رقابة البشر، ودون تأثير المادة أو جفاء الروح.. وسينطلق آنذاك بنفس مشرقة في صفاء ونقاء نحو خالق النسمة وبارئها مرددا شعاره الخالد “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين” [الأنعام: 162]..

      وسيعلم الإنسان المؤمن بعد هذا كله أن ترجمة هذا الشعار بكل بساطة ووضوح هي أن تمام حريته في كمال عبوديته لله وحده.. وسيتذوق طعم الإيمان الحلو من ثمار شجرة التوحيد التي أصلها ثابت في قلبه وفرعها يملأ سماء حياته سلوكا وخلقا وتربية ومعاملات تفوح بعطور الربانية جمالا وبهاء وطيبا ومسكا..

التعليقات

  1. طه لحميداني

    سلام عليك أستاذي الفاضل
    وبارك الله في علمكم، ونفع بكم..

    لقد علمنا الآن أن جميع الاتجاهات والمذاهب الفلسفية القديمة والحديثة، لم تهتد إلى سبيل سائغ لتقويم حقيقة معنى الحرية لدى الإنسان وتنسيق ما بينها وبين ضرورات الكون والمجتمع، بل لم تزد على أن أرهقت الناس بأفكارها المتصارعة تحت وطأة مشكلات مستعصية مغلقة لا سبيل للتخلص منها. فما الحل إذن؟‏
    هاهنا يأتي دور الإسلام، الذي لم يأتِ إلا لينجد الإنسان بحل تلك المعضلات التي لم يستطع أن يستقل بحلها والقضاء عليها.‏
    منطلقه تعريف الإنسان على ذاته تعريفاً هوياً دقيقاً.
    خمس آيات القرآن الكريم تقريباً تتضمن تعريف الإنسان على ذاته من حيث المبدأ والمنتهى ومن حيث الصفات التي ركبت فيه والقدرات التي يتمتع بها، ومن حيث الروح التي تسري في كيانه ومآلها بعد مماته.

    والسمة الجامعة لكل ذلك في شخص الإنسان، هي أنه عبد، عبد لمن هو مستقر في قبضته، ولمن يتولى تدبير أمره على النحو الذي يشاء ابتداء ودواماً وانتهاء. وكلمة "العبد" لا تستعمل بين الناس، بعضهم مع بعض، إلا على سبيل المجاز، إذ هي تعني المملوكية التامة، وليس من أحد يتصف بأنه مملوك حقيقة إلا لخالقه الذي هو الله عز وجل. فصفة العبودية إذن، للإنسان، لا تكون حقيقة إلا بالنسبة لله عز وجل وهذا هو قرار الله تعالى في بيانه المعجز: "إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدّهم عدّاً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً".

    فالإسلام يواجه الإنسان بواقع عبوديته الحتمية لله، ليفتح أمامه بذلك آفاق التحرر من آصار العبودية للآخرين من جهة، وليصده عن استعباد المستضعفين من حوله من جهة أخرى.
    وإذا تأملنا جيداً أدركنا أنه لا ثمن لهذا التحرر، إلا الإذعان الصحيح لتلك العبودية. وقد أبرز القرآن هذا التلازم ببيان صريح، وذلك في قوله عز وجل: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".‏

    وهذا مبحث في العلم طويل جدا، لا يدرك فيها الباحث انتهاء إلا: أن قمة الحرية في عبودية الله تعالى.
    ومما زادني شرفا وتيها
    وكدت بأخمصي أطأ الثريا
    دخولي تحت قولك يا عبادي
    وأن صيّرت أحمد لي نبيا
    محبكم طـه لحميداني

أرسل تعليق