Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

تعليق واحد

محمد بن غازي المكناسي

      كتب الأستاذ المرحوم محمد حجي في مقدمة فهرس الإمام محمد بن غازي المسمى “التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد”: “محمد ابن غازي المكناسي أبرز شخصية علمية بالمغرب في أواخر القرن الهجري التاسع وأوائل العاشر، لِما كان له من اتساع في الرواية، ووفرة في عدد التلاميذ بمختلف جهات المغرب، وانتشار مؤلفاته في أنحاء العالم الإسلامي غربا وشرقا… ويعد فهرسه الجامع: “التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد” من أهم فهارس المتأخرين، بل أصلها الذي تعتمده وتحيل عليه، كما يمتاز هذا الفهرس بأنه آخر صدى للتجاوب العلمي بين العُدوتين المغرب والأندلس. فقد وضعه ابن غازي استجابة لطلب ورد عليه من أحمد بن علي البلوي الوادياشي، وكان هذا خرج مع أبيه وأخويه من غرناطة قبيل سقوطها، قاصدين الحج وملاقاة شيوخ الإسلام في الأقطار التي يمرون بها. ومن تلمسان كتب أحمد الوادياشي إلى ابن غازي يستجيزه، وكأنه شق عليه وهو في طريقه الساحلي القاصد إلى الشرق أن يعرج على فاس لملاقاة الشيخ، وعزز كتاب الاستجازة كتاب آخر من أحمد بن محمد بن مرزوق التلمساني ينوه بالوادياشي ويستحث ابن غازي لإجازته..

       ويفيدنا العلامة محمد حجي أن إجازة ابن غازي للوادياشي قد تحولت إلى فهرس لأنها اقتضت ذكر شيوخ ابن غازي وما قرأ عليهم من كتب، وسندهم المتسلسل إلى مؤلفيها، وقد أتم ابن غازي تحرير فهرسه النفيس بمدينة فاس في 18 رجب سنة 896هـ، وبعث به إلى تلمسان، فألحقه المُجاز العالم الفاضل أحمد البلوي بآخر كتابه “تبث الشيوخ” وكتب بخطه في الهامش: “وصلتنا هذه الإجازة المباركة -أثاب الله المتفضل بها أفضل ما أثاب به متفضلا من خلقه- ضحى يوم الجمعة رابع شوال 896هـ”..

       نقرأ في مقدمة تحقيق فهرس ابن غازي التي كتبها المحقق محمد الزاهي عن ابن غازي المكناسي أنه: “أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي، ولد بمكناس، واختلف في سنة ولادته بين سنة 841هـ، وهو رأي كل من التنبوكتي في “نيل الابتهاج” ومحمد مخلوف في “شجرة النور الزكية” وسنة 858هـ، وهو رأي أحمد ابن القاضي في “الجذوة” وعبد الرحمن بن زيدان في “الإتحاف”، والراجح أن ابن غازي ولد سنة 841هـ استنادا إلى ما ذكره هو نفسه في كتابه “الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون” متحدثا عن رحلته إلى فاس: “وأظن رحلتي سنة 858هـ، فأقمت بها” يعني مدينة فاس، فيكون ابن غازي قد رحل لاستكمال دراسته وعمره سبع عشرة سنة..

       وترجمة ابن غازي موجودة في “نيل الابتهاج” لأحمد بابا التنبوكتي، و “درة الحجال” و “جذوة الاقتباس” لابن القاضي، و “شجرة النور الزكية” لمحمد مخلوف، و “دوحة الناشر” لابن عسكر، و “الإتحاف” لعبد الرحمن بن زيدان، و “فهرس الفهارس” لعبد الحي الكتاني، و “النبوغ ” لعبد الله كنون..

       نقرأ في “النبوغ” لعبد الله كنون (ج: 1، ص: 209): أن حياة العلامة ابن غازي كانت حياة علم ودراسة وتأليف، وكان رحمه الله أستاذا ماهرا في القراءات ووجوهها، مبرزا في علوم العربية والفقه والتفسير والحديث وعلم الرجال والسير والتاريخ والأدب(…)، وتفرد برئاسة الهيئة العلمية في عصره، ولم ينازعه أحد في ذلك…

       ويقول عبد الرحمن بن زيدان في “إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس” (ج 4، ص: 2) في حق ابن غازي المكناسي: “عالم العصر وبركة القطر المتفنن الذي لم يسمح الزمان له بمثيل، بحر زخار تتلاطم أمواج تحقيقه، حافظ حجة فرضي حيسوبي (…) جامع أشتات الفضائل، مقرئ مجود صدر في القراءات متقن لها عارف بوجوهها وعللها”.

       بعد رحلته العلمية إلى مدينة فاس، عاد ابن غازي إلى مدينة مكناس ليتصدر للتدريس في جامعها الأعظم المبارك، وتولى منصب الخطابة به، لكن وقعت بين ابن غازي ومحمد بن أبي زكرياء الوطاسي الملقب بالحلو خصومة، فقام بإبعاده إلى مدينة فاس التي اتخذها ابن غازي مستقرا نهائيا، فخطب في مسجد فاس الجديد بالمدينة البيضاء المرينية، ثم عين إماما بجامع القرويين المبارك، وأسندت إليه كراسي تدريس الفقه والعربية والفرائض والحساب، فكانت دروسه بحق من أشهر الدروس ومجلسه من أمتع المجالس.. وكان ابن غازي يدرس أحيانا ببيته علاوة على المساجد والمدارس…

       هناك إجماع في كتب التاريخ الفكري للمغرب على قيمة محمد ابن غازي العلمية الحاسمة في عصره، ودوره الكبير في نشر العلم والمعرفة بين طلبة قدموا من كل أنحاء المغرب. واشتهر ابن غازي أيضا بحثِّه على جهاد المحتل الأجنبي، وقد شارك في الجهاد مرارا، وفي آخر حياته قرر ابن غازي الانخراط في جيش السلطان محمد الوطاسي الذي كان يريد استرجاع مدينة أصيلا من أيدي البرتغاليين، لكنه مرض ورجع إلى فاس؛ بينما نقرأ -في رواية مختلفة- في المقدمة التي قدم بها الأستاذ محمد سويسي محقق كتاب “بغية الطلاب في شرح منية الحساب” لابن غازي أن هذا الأخير “رابط مرات كثيرة وخرج في آخر عمره لقصر كتامة للحراسة فمرض ورجع إلى فاس؛ وتوفي رحمه الله يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى من سنة 910هـ، وكانت جنازته جنازة مشهودة حضرها العلماء والسلطان والأعيان، وقبره مزارة مشهورة بعدوة الأندلس بفاس.

       أما عن شيوخ ابن غازي فقد ذكر في “التعلل برسوم الإسناد” ثمانية عشر شيخا، لكنه قد اتصل بشيوخ آخرين لم يضمنهم فهرسته التي قال في آخرها: “على أنا قد لقينا غير من ذكرنا ممن أخذنا عنه الفقه والعربية والآداب والحساب والفرائض والعروض والمنطق والتصوف وبعض الطلب..

       ترجم الإمام ابن غازي في “التعلل” لثمانية عشر عالما هم شيوخه، وأريد أن أثبت نماذج لحديث ابن غازي عن شيوخه عبر ترجمته لبعضهم؛ يقول ابن غازي عن محمد بن الحسين النيجي الشهير بالصغير، (التعلل، ص: 36): “ما رأت عيناي قط مثله خلقا وخلقا وإنصافا وحرصا على العلم ورغبة في نشره واجتهادا في طلبه وإدمانا لتلاوة التنزيل العزيز (..) وبلغ في علم النحو مبلغا لم يصل إليه أحد من أترابه ولا من أشياخه، مع المشاركة في سائر العلوم الشرعية وحسن الإدراك وقوة الفهم وحب الخير لجميع المسلمين:

            حلف الزمــــان ليـأتين بمثلـــه          حنثـت يمينـك يــا زمــانُ فكَفِّر

       وربما حسده بعض بدأة تلامذته الأغمار فدفع سيئتهم بحسنته وصفح عنهم:

            وإذا ما أتتك مذمتي من ناقص          فهـي الشهادة لي بأني كامل

       ثم قال ابن غازي رحمه الله: لازمته كثيرا وقرأت عليه القرآن العزيز ثلاث ختمات آخرها القراءة السبعة على طريقة الحافظ أبي عمرو الداني (….) ثم الذي أخذته عنه من فنون العلم نوعان: نوع أجازه لي معينا مسندا، ونوع تفقهت فيه بين يديه بقراءتي أو بقراءة غيري تتناوله إجازته لي العامة، غير أن بعضه ما له فيه رواية.

       وفي ترجمته لشيخه بلَدِيّه الشيخ محمد بن قاسم القوري اللخمي المكناسي يقول (ص: 70 وما بعدها): “كان رحمه الله تعالى آية الله تعالى في التبحر في العلم والتصرف فيه واستحضار نوازل الفقه وقضايا التواريخ، مجلسه كثير الفوائد مليح الحكايات، وكان له قوة عارضة ومزيد ذكاء مع نزاهة وديانة وحفظ مروءة:

            هيهــــات لا يأتي الزمان بمثله          إن الزمــــــان بمثلــــه لبخيــل

       لازمت مجلسه في المدونة أعواما، وكان ينقل عليها كلام المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والموثقين، ويطرز ذلك بحكاياتهم وذكر موالدهم ووفياتهم والتنقير عن أنباءهم وضبط أسمائهم، ويشبع الكلام في الأحاديث التي ينزعون بها في انتصارهم لآرائهم، فكان في مجلسه نزهة للسامعين، تبارك الله أحسن الخالقين..

       وفي خبر طريف يقول ابن غازي عن شيخه القوري المكناسي: وحدثني عن شيخه الحاج أبي عبد الله بن عبد العزيز أنه قال: سمعت الشيخ العالم المحدث الحافظ الرباني أبا عبد الله محمد بن علي الموصلي البلالي بالديار المصرية يقول: حديث الباذنجان لما أكل له أمثل في الإسناد من حديث: ماء زمزم لما شرب له، قال وهذا عكس المعروف.. فتأمل أيها القارئ الكريم ماذا كان يتداول في مجالس هؤلاء الأفاضل، بحث عن المعلومة النافعة، والتدقيق في المسائل، وتصحيح المفاهيم والبحث عن الصواب ولو خالف المتعارف عليه، والحق أنه ليس غريبا أن يقول ابن غازي عن مجلس أستاذه القوري المكناسي: فكان “في مجلسه نزهة للسامعين، تبارك الله أحسن الخالقين”، وقد كان ابن غازي يعي جيدا ما يقول، كيف لا وهو الذي طبع عصرا بأكمله وربى جيلا من النبهاء، ونشر أخلاق العلم والنزاهة الفكرية والتفاني في البحث عن المعرفة..

       وفي حديث ابن غازي عن شيخه أحمد بن عمر المزجلدي (التعلل، ص: 76-77): “ما أدركنا بمدينة فاس أعلم منه بالمدونة، كانت نصب عينيه يستظهر نصوصها ويمليها عند الحاجة إليها سردا، وإذا قعد لإقرائها تسمع منه السحر الحلال، ينقل عليها كلام شارحيها بألفاظهم بلا تكلف، ثم يكر على أبحاثهم فيبين من أين أخذوها منها ويقول أنهم فهموها ففسروا بعضها ببعض وضربوا أولها بآخرها وآخرها بأولها، وكل الصيد في جوف الفراء، ولم يكن يقرر في مجلسه إلا الفقه الساذج، ولا أذكر أنه سمعته يلحن قط ولا سمعت من يقرر الفقه مثل تقريره أو يحرره كتحريره:

            هكــــــــــذا هكــــــــــذا وإلا فــــــــــلا لا          طــــــرق الجــــد غيــــر طـــرق المـزاح

            ليس التكحــــل فـــي العينين كالكحـل          في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحـل

      ويقول ابن غازي عن شيخه المزجلدي: “كان رحمه الله نزها زاهدا مهيبا صليبا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يبالي بأبناء الدنيا ولا يعدهم شيئا مذكورا…

       من أشهر تلاميذ ابن غازي ابنه أبو العباس أحمد، وابنه محمد المتوفي سنة 943هـ، ومحمد شقرون بن أحمد بن بوجمعة المغراوي المتوفى سنة 929 هـ، والحسن بن عثمان الثملي المتوفى سنة 932هـ، ومخلوف بن صالح المخلوفي البلبالي المتوفى حوالي 950هـ، وعلي بن موسى بن هارون المطغري المتوفي سنة 951هـ وقد لازمه كثيرا، وعبد الواحد بن أحمد الونشريسي المتوفى سنة 955، وقد أجازه بإجازة شهيرة، والعالم الخطير عبد الرحمن بن علي سُقّين المتوفى سنة 956هـ، وقد كان ابن غازي يقدمه على غيره، وأحمد بن عبد الرحمن المسجددي التزركيني المتوفى سنة 958هـ، وأحمد بن عبد الله المدني البتوعي المتوفى حوالي سنة 960هـ، ومحمد بن محمد بن العباس التلمساني، والعالم الكبير محمد بن أحمد بن مجبر المساري، وإبراهيم بن عبد الجبار الفجيجي المتوفى حوالي 945هـ، جاء إلى مدينة فاس للأخذ على الإمام ابن غازي…

       ألف محمد ابن غازي الكثير من الكتب النافعةّ، ولقد أثرت مؤلفاته في عصره وما بعده، بحيث كانت مقررة للدراسة والرواية والسماع سواء في حياته أو بعد موته. ويفيدنا محقق “التعلل برسوم الإسناد” محمد الزاهي في مقدمة تحقيقه (ص: 11) بنص مقتطف من ثبت الكوراني الموسوم بـ “قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر”: عن أبي زيد عبد الرحمن بن علي بن أحمد العاصمي الشهير بُسَّقين، عن شيخ الجماعة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي.. وبهذا السند أروي جميع مؤلفاته كتكملة وشفاء الخليل وحاشيته على المرادي ونظم مشكلات الرسالة”، وهكذا فإن كتب ابن غازي كانت موضوع الدرس والتفقه لأنها مؤلفات جليلة برهنت على قيمة مصنفها العلمية.. وفيما يلي جرد لبعض مؤلفات محمد ابن غازي: “إتحاف ذوي الذكاء والمعرفة بتكميل تقييد أبي الحسن وتحليل تعقيد ابن عرفة”، ويسمى أيضا “تكميل تقييد أبي الحسن وحل التعقيد”، وقد تعرض ابن غازي في هذا الكتاب لأخطاء شارحي المدونة أبي الحسن الزروالي المتوفى سنة 719هـ، والإمام ابن عرفة؛ كتاب “إرشاد اللبيب إلى مقاصد حديث الحبيب”: توجد منه نسخة خطية محفوظة بالمكتبة الوطنية بالرباط؛ “إمتاع ذوي الاستحقاق ببعض مراد المرادي وزوائد أبي إسحاق”: وهو شرح للألفية توجد منه نسخة خطية بالمكتبة العامة بتطوان؛ “إمداد أبحر القصيد ببحر أهل التوليد”: وهو ضمن مجموع بالخزانة الوطنية بالرباط؛ “إنشاد الشريد من ضوال القصيد”، وهو شرح للشاطبية، توجد نسخ منه في الخزانة الوطنية بالرباط وفي مكتبة الإسكوريال؛ كتاب “بغية الطلاب في شرح منية الحساب” وهو كتاب نفيس في الرياضيات طبع طبعة حجرية بفاس، ثم طبع من طرف معهد التراث العلمي العربي بحلب (سوريا) سنة 1983 بتحقيق الأستاذ الفاضل محمد سويسي. وتوجد من كتاب “المنية” مخطوطات بالإسكوريال، وباريس وتونس، ومصر والرباط. وفهرسة ابن غازي الشهيرة “التعلل برسوم الإسناد”؛ وله “تكملة أوضاع المخمس خالي الوسط وكيفية التصريف به على أحسن نمط”، وهي قصيدة من 114 بيتا مطلعها: ألا إن خالي القلب من كل شاغل (توجد بالخزانة الوطنية بالرباط)؛ له أيضا “كشف الالتباس والغلط على أوضاع المخمس خالي الوسط، وهو نظم في 38 بيتا، محفوظ في الخزانة الوطنية بالرباط؛ وله أيضا “الجامع المستوفي لجداول الحوفي: وهو ذيل على كتاب الفرائض الحوفية للقاضي أبي القاسم الحوفي المتوفى سنة 580هـ، مخطوط بالخزانة الوطنية بالرباط؛ له أيضا حاشية على مختصر خليل؛ وحل مشكلة ابن عرفة في مختصريه؛ لابن غازي أيضا كتاب شهير في التاريخ هو “الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون” وهو كتاب مختصر نفيس طبع بالمطبعة الملكية سنة 1964م..

       لابن غازي أيضا كتاب “كليات في الفقه” ألفه في أوائل 893هـ؛ وله مؤلف صغير طريف في ماحيا (الخمر المقطر من التين غالبا) سماه: مذاكرة ابن اسحاق بن يحيا؛ له أيضا “منية الحساب”، وهي قصيدة في 250 بيتا ذكر فيها مبادئ علم الحساب، وهي التي شرحها في كتابه “بغية الطلاب في شرح منية الحساب”.

       وفهرسة ابن غازي حافلة بالإجازات العديدة التي اتصل بها ابن غازي من بعض أساتذته، وبعدما انهى ابن غازي فهرسته أنعم الله عليه، كما عبر هو بنفسه، بإجازة ابن مرزوق الكفيف، فذكر نتفا من أخباره ونبذة من سيرته وبعض شيوخه، ثم ذكر الكتب التي أجازها له ابن مرزوق…

       وفهرسة ابن غازي من أشهر الفهارس المغربية على الإطلاق، والجدير بالذكر أنها تحتوي على مئات المؤلفات التي كانت مقررة في التدريس، مما يشهد بصدق عن الحركة العلمية والفكرية زمن ابن غازي، ويبين عن رسالة الجامعة والبرامج التربوية وعلاقة كل ذلك بالقيم والمجتمع، وهذا مبحث نبيل ما أحوجنا إلى توظيفه اليوم في بلدنا المبارك بحثا عن علاقة ما بين الثقافة والمجتمع، وقد قال عبد الحي الكتاني عن فهرس ابن غازي: “هو فهرس نفيس جدا في نحو سبع كراريس ما أعذب سياقه وأجمل طرقه”. وقال أبو العباس الهشتوكي:

            وفهرسة الشيخ ابن غازي  مفيدة          عليك بها فهي النهايـــة في الأمر

       وجدير بالذكر أن فهرسة ابن غازي مثلت مصدرا ثريا للمؤرخين الذي عاصروا ابن غازي والذين جاءوا بعده، فاستقوا منها الكثير من الأخبار والتراجم والفوائد العلمية والعملية والاجتماعية، فقد نقل عنها القرافي في توشيحه، وأحمد بابا التنبوكتي في “نيل الابتهاج” والوزير السراج في حلله، والمقري في “نفح الطيب”.

       وأختم هذه المقالة بالتأكيد على براعة صاحبنا ابن غازي في علم الحساب، ويمكن القول أنه جمع بوعي كوني كبير بين علوم المقال وعلوم الحال، مدركا أن ذلك هو المدخل إلى العلم الكوني ضمن جدلية الغيب والإنسان والطبيعة.. فقد ألف رحمه الله كتاب “منية الحساب”، وهي أرجوزة مطلعها:

            يقول راجي العفـــو والمغـازي          محمـــد بــن أحمد بن غــــازي

            الحمــــد لله الـــــذي قــد نـوّرا          قلوبنـــــا بمــــا بهـــــا تفجـــرا

            من كــــــل علـــم فائق ورائق          تسرح منه النفس في حدائق

       إلى أن يقول:

            ضمنتـــــه مسائـــل التلخيص          وربمـــــا أزيــــد في التمحيص

            تحريــــرا أو مسألـــــة غريبــة          أو نكتــــة مونقـــــة عجيبـــــة

            وربمــــا استغنيــت بالتلويــــح          مخافــــة الطول عن التصريــح

            فجــــاء تأليفنــــا صغير الحجـم          قد احتوى على كثير من العلم

            يقــرب الأبــــواب والمعـــــاني          ويضبـــط الأصـــــول والمبـاني

       إلى أن يقول:

            وإنمـــــا رغبت فـــي النظــام          لأنـــــه أقـــــرب فــي المـرام

            فهـــو الذي تصغى له العقول          وسيـف من حملـــه مصقــول

      فتكون “منية الطلاب” مشتملة على ما جاء في “تلخيص أعمال الحساب” لابن البناء المراكشي من قواعد ومسائل، حاوية لبعض الأمثلة الطريفة قصد البيان والتوضيح، ولابن غازي شرح على “المنية” سماه: “بغية الطلاب في شرح منية الحساب”، طبع بفاس طبعة حجرية سنة 1897، وطبع مرة أخرى كما سبق أن أشرت إلى ذلك في المعهد العلمي العربي بجامعة حلب بسوريا سنة 1983. ويستند ابن غازي في شروحه العلمية في مادة الحساب على “تلخيص أعمال الحساب” لابن البنا، وعلى “رفع الحجاب عن تلخيص أعمال الحساب” لابن البنا أيضا، ومختصر الإمام أبي بكر الحصار، وعلى رسائل “شيخ شيوخه” أبي الحسن ابن هيدور التادلي..

       وبعد، فقصدي من هذه المقالة المركزة استعادة ذكرى هذا العالم الفاضل الذي أحب العلم بشكل منقطع النظير، فبارك الله له في حياته وأهله وتلاميذه ورسالته، وهذه طبيعة من أخلص للعلم وأدرك أنه أنبل شيء في الوجود… رحم الله العلامة ابن غازي وجازاه عن المغرب والإنسانية خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه..

كتب الأستاذ المرحوم محمد حجي في مقدمة فهرس الإماممحمد بن غازي المسمى “التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد”: “محمد ابن غازي المكناسي أبرز شخصية علمية بالمغرب في أواخر القرن الهجري التاسع وأوائل العاشر، لِما كان له من اتساع في الرواية، ووفرة في عدد التلاميذ بمختلف جهات المغرب، وانتشار مؤلفاته في أنحاء العالم الإسلامي غربا وشرقا… ويعد فهرسه الجامع: “التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد” من أهم فهارس المتأخرين، بل أصلها الذي تعتمده وتحيل عليه، كما يمتاز هذا الفهرس بأنه آخر صدى للتجاوب العلمي بين العُدوتين المغرب والأندلس. فقد وضعه ابن غازي استجابة لطلب ورد عليه من أحمد بن علي البلوي الوادياشي، وكان هذا خرج مع أبيه وأخويه من غرناطة قبيل سقوطها، قاصدين الحج وملاقاة شيوخ الإسلام في الأقطار التي يمرون بها. ومن تلمسان كتب أحمد الوادياشي إلى ابن غازي يستجيزه، وكأنه شق عليه وهو في طريقه الساحلي القاصد إلى الشرق أن يعرج على فاس لملاقاة الشيخ، وعزز كتاب الاستجازة كتاب آخر من أحمد بن محمد بن مرزوق التلمساني ينوه بالوادياشي ويستحث ابن غازي لإجازته..  

ويفيدنا العلامة محمد حجي أن إجازة ابن غازي للوادياشي قد تحولت إلى فهرس لأنها اقتضت ذكر شيوخ ابن غازي وما قرأ عليهم من كتب، وسندهم المتسلسل إلى مؤلفيها، وقد أتم ابن غازي تحرير فهرسه النفيس بمدينة فاس في 18 رجب سنة 896هـ، وبعث به إلى تلمسان، فألحقه المُجاز العالم الفاضل أحمد البلوي بآخر كتابه “تبث الشيوخ” وكتب بخطه في الهامش: “وصلتنا هذه الإجازة المباركة -أثاب الله المتفضل بها أفضل ما أثاب به متفضلا من خلقه- ضحى يوم الجمعة رابع شوال 896هـ”..

نقرأ في مقدمة تحقيق فهرس ابن غازي التي كتبها المحقق محمد الزاهي عن ابن غازي المكناسي أنه: “أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي، ولد بمكناس، واختلف في سنة ولادته بين سنة 841هـ، وهو رأي كل من التنبوكتي في “نيل الابتهاج” ومحمد مخلوف في “شجرة النور الزكية” وسنة 858هـ، وهو رأي أحمد ابن القاضي في “الجذوة” وعبد الرحمن بن زيدان في “الإتحاف”، والراجح أن ابن غازي ولد سنة 841هـ استنادا إلى ما ذكره هو نفسه في كتابه “الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون” متحدثا عن رحلته إلى فاس: “وأظن رحلتي سنة 858هـ، فأقمت بها” يعني مدينة فاس، فيكون ابن غازي قد رحل لاستكمال دراسته وعمره سبع عشرة سنة..  

وترجمة ابن غازي موجودة في “نيل الابتهاج” لأحمد بابا التنبوكتي، و “درة الحجال” و “جذوة الاقتباس” لابن القاضي، و “شجرة النور الزكية” لمحمد مخلوف، و “دوحة الناشر” لابن عسكر، و “الإتحاف” لعبد الرحمن بن زيدان، و “فهرس الفهارس” لعبد الحي الكتاني، و “النبوغ ” لعبد الله كنون..

نقرأ في “النبوغ” لعبد الله كنون (ج: 1، ص: 209): أن حياة العلامة ابن غازي كانت حياة علم ودراسة وتأليف، وكان رحمه الله أستاذا ماهرا في القراءات ووجوهها، مبرزا في علوم العربية والفقه والتفسير والحديث وعلم الرجال والسير والتاريخ والأدب(…)، وتفرد برئاسة الهيئة العلمية في عصره، ولم ينازعه أحد في ذلك…

ويقول عبد الرحمن بن زيدان في “إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس” (ج 4، ص: 2) في حق ابن غازي المكناسي: “عالم العصر وبركة القطر المتفنن الذي لم يسمح الزمان له بمثيل، بحر زخار تتلاطم أمواج تحقيقه، حافظ حجة فرضي حيسوبي (…) جامع أشتات الفضائل، مقرئ مجود صدر في القراءات متقن لها عارف بوجوهها وعللها”.

بعد رحلته العلمية إلى مدينة فاس، عاد ابن غازي إلى مدينة مكناس ليتصدر للتدريس في جامعها الأعظم المبارك، وتولى منصب الخطابة به، لكن وقعت بين ابن غازي ومحمد بن أبي زكرياء الوطاسي الملقب بالحلو خصومة، فقام بإبعاده إلى مدينة فاس التي اتخذها ابن غازي مستقرا نهائيا، فخطب في مسجد فاس الجديد بالمدينة البيضاء المرينية، ثم عين إماما بجامع القرويين المبارك، وأسندت إليه كراسي تدريس الفقه والعربية والفرائض والحساب، فكانت دروسه بحق من أشهر الدروس ومجلسه من أمتع المجالس.. وكان ابن غازي يدرس أحيانا ببيته علاوة على المساجد والمدارس…

هناك إجماع في كتب التاريخ الفكري للمغرب على قيمة محمد ابن غازي العلمية الحاسمة في عصره، ودوره الكبير في نشر العلم والمعرفة بين طلبة قدموا من كل أنحاء المغرب. واشتهر ابن غازي أيضا بحثِّه على جهاد المحتل الأجنبي، وقد شارك في الجهاد مرارا، وفي آخر حياته قرر ابن غازي الانخراط في جيش السلطان محمد الوطاسي الذي كان يريد استرجاع مدينة أصيلا من أيدي البرتغاليين، لكنه مرض ورجع إلى فاس؛ بينما نقرأ –في رواية مختلفة- في المقدمة التي قدم بها الأستاذ محمد سويسي محقق كتاب “بغية الطلاب في شرح منية الحساب” لابن غازي أن هذا الأخير “رابط مرات كثيرة وخرج في آخر عمره لقصر كتامة للحراسة فمرض ورجع إلى فاس؛ وتوفي رحمه الله يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى من سنة 910هـ، وكانت جنازته جنازة مشهودة حضرها العلماء والسلطان والأعيان، وقبره مزارة مشهورة بعدوة الأندلس بفاس.

أما عن شيوخ ابن غازي فقد ذكر في “التعلل برسوم الإسناد” ثمانية عشر شيخا، لكنه قد اتصل بشيوخ آخرين لم يضمنهم فهرسته التي قال في آخرها: “على أنا قد لقينا غير من ذكرنا ممن أخذنا عنه الفقه والعربية والآداب والحساب والفرائض والعروض والمنطق والتصوف وبعض الطلب..

ترجم الإمام ابن غازي في “التعلل” لثمانية عشر عالما هم شيوخه، وأريد أن أثبت نماذج لحديث ابن غازي عن شيوخه عبر ترجمته لبعضهم؛ يقول ابن غازي عن محمد بن الحسين النيجي الشهير بالصغير، (التعلل، ص: 36): “ما رأت عيناي قط مثله خلقا وخلقا وإنصافا وحرصا على العلم ورغبة في نشره واجتهادا في طلبه وإدمانا لتلاوة التنزيل العزيز (..) وبلغ في علم النحو مبلغا لم يصل إليه أحد من أترابه ولا من أشياخه، مع المشاركة في سائر العلوم الشرعية وحسن الإدراك وقوة الفهم وحب الخير لجميع المسلمين:

حلف الزمــــان ليـأتين بمثلـــه          حنثـت يمينـك يــا زمــانُ فكَفِّر

وربما حسده بعض بدأة تلامذته الأغمار فدفع سيئتهم بحسنته وصفح عنهم:

وإذا ما أتتك مذمتي من ناقص          فهـي الشهادة لي بأني كامل

ثم قال ابن غازي رحمه الله: لازمته كثيرا وقرأت عليه القرآن العزيز ثلاث ختمات آخرها القراءة السبعة على طريقة الحافظ أبي عمرو الداني (….) ثم الذي أخذته عنه من فنون العلم نوعان: نوع أجازه لي معينا مسندا، ونوع تفقهت فيه بين يديه بقراءتي أو بقراءة غيري تتناوله إجازته لي العامة، غير أن بعضه ما له فيه رواية.

وفي ترجمته لشيخه بلَدِيّه الشيخ محمد بن قاسم القوري اللخمي المكناسي يقول (ص: 70 وما بعدها): “كان رحمه الله تعالى آية الله تعالى في التبحر في العلم والتصرف فيه واستحضار نوازل الفقه وقضايا التواريخ، مجلسه كثير الفوائد مليح الحكايات، وكان له قوة عارضة ومزيد ذكاء مع نزاهة وديانة وحفظ مروءة:

هيهــــات لا يأتي الزمان بمثله          إن الزمــــــان بمثلــــه لبخيــل

لازمت مجلسه في المدونة أعواما، وكان ينقل عليها كلام المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والموثقين، ويطرز ذلك بحكاياتهم وذكر موالدهم ووفياتهم والتنقير عن أنباءهم وضبط أسمائهم، ويشبع الكلام في الأحاديث التي ينزعون بها في انتصارهم لآرائهم، فكان في مجلسه نزهة للسامعين، تبارك الله أحسن الخالقين..

وفي خبر طريف يقول ابن غازي عن شيخه القوري المكناسي: وحدثني عن شيخه الحاج أبي عبد الله بن عبد العزيز أنه قال: سمعت الشيخ العالم المحدث الحافظ الرباني أبا عبد الله محمد بن علي الموصلي البلالي بالديار المصرية يقول: حديث الباذنجان لما أكل له أمثل في الإسناد من حديث: ماء زمزم لما شرب له، قال وهذا عكس المعروف.. فتأمل أيها القارئ الكريم ماذا كان يتداول في مجالس هؤلاء الأفاضل، بحث عن المعلومة النافعة، والتدقيق في المسائل، وتصحيح المفاهيم والبحث عن الصواب ولو خالف المتعارف عليه، والحق أنه ليس غريبا أن يقول ابن غازي عن مجلس أستاذه القوري المكناسي: فكان “في مجلسه نزهة للسامعين، تبارك الله أحسن الخالقين”، وقد كان ابن غازي يعي جيدا ما يقول، كيف لا وهو الذي طبع عصرا بأكمله وربى جيلا من النبهاء، ونشر أخلاق العلم والنزاهة الفكرية والتفاني في البحث عن المعرفة.. 

وفي حديث ابن غازي عن شيخه أحمد بن عمر المزجلدي (التعلل، ص: 76-77): “ما أدركنا بمدينة فاس أعلم منه بالمدونة، كانت نصب عينيه يستظهر نصوصها ويمليها عند الحاجة إليها سردا، وإذا قعد لإقرائها تسمع منه السحر الحلال، ينقل عليها كلام شارحيها بألفاظهم بلا تكلف، ثم يكر على أبحاثهم فيبين من أين أخذوها منها ويقول أنهم فهموها ففسروا بعضها ببعض وضربوا أولها بآخرها وآخرها بأولها، وكل الصيد في جوف الفراء، ولم يكن يقرر في مجلسه إلا الفقه الساذج، ولا أذكر أنه سمعته يلحن قط ولا سمعت من يقرر الفقه مثل تقريره أو يحرره كتحريره:

هكــــــــــذا هكــــــــذا وإلا فــــــــــلا لا          طــــــرق الجــــد غيــــر طـــرق المزاح

ليس التكحــــل فـــي العينين كالكحـل          في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحـل

ويقول ابن غازي عن شيخه المزجلدي: “كان رحمه الله نزها زاهدا مهيبا صليبا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يبالي بأبناء الدنيا ولا يعدهم شيئا مذكورا…

من أشهر تلاميذ ابن غازي ابنه أبو العباس أحمد، وابنه محمد المتوفي سنة 943هـ، ومحمد شقرون بن أحمد بن بوجمعة المغراوي المتوفى سنة 929 هـ، والحسن بن عثمان الثملي المتوفى سنة 932هـ، ومخلوف بن صالح المخلوفي البلبالي المتوفى حوالي 950هـ، وعلي بن موسى بن هارون المطغري المتوفي سنة 951هـ وقد لازمه كثيرا، وعبد الواحد بن أحمد الونشريسي المتوفى سنة 955، وقد أجازه بإجازة شهيرة، والعالم الخطير عبد الرحمن بن علي سُقّين المتوفى سنة 956هـ، وقد كان ابن غازي يقدمه على غيره، وأحمد بن عبد الرحمن المسجددي التزركيني المتوفى سنة 958هـ، وأحمد بن عبد الله المدني البتوعي المتوفى حوالي سنة 960هـ، ومحمد بن محمد بن العباس التلمساني، والعالم الكبير محمد بن أحمد بن مجبر المساري، وإبراهيم بن عبد الجبار الفجيجي المتوفى حوالي 945هـ، جاء إلى مدينة فاس للأخذ على الإمام ابن غازي…

ألف محمد ابن غازي الكثير من الكتب النافعةّ، ولقد أثرت مؤلفاته في عصره وما بعده، بحيث كانت مقررة للدراسة والرواية والسماع سواء في حياته أو بعد موته. ويفيدنا محقق “التعلل برسوم الإسناد” محمد الزاهي في مقدمة تحقيقه (ص: 11) بنص مقتطف من ثبت الكوراني الموسوم بـ “قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر”: عن أبي زيد عبد الرحمن بن علي بن أحمد العاصمي الشهير بُسَّقين، عن شيخ الجماعة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي.. وبهذا السند أروي جميع مؤلفاته كتكملة وشفاء الخليل وحاشيته على المرادي ونظم مشكلات الرسالة”، وهكذا فإن كتب ابن غازي كانت موضوع الدرس والتفقه لأنها مؤلفات جليلة برهنت على قيمة مصنفها العلمية.. وفيما يلي جرد لبعض مؤلفات محمد ابن غازي: “إتحاف ذوي الذكاء والمعرفة بتكميل تقييد أبي الحسن وتحليل تعقيد ابن عرفة”، ويسمى أيضا “تكميل تقييد أبي الحسن وحل التعقيد”، وقد تعرض ابن غازي في هذا الكتاب لأخطاء شارحي المدونة أبي الحسن الزروالي المتوفى سنة 719هـ، والإمام ابن عرفة؛ كتاب “إرشاد اللبيب إلى مقاصد حديث الحبيب”: توجد منه نسخة خطية محفوظة بالمكتبة الوطنية بالرباط؛ “إمتاع ذوي الاستحقاق ببعض مراد المرادي وزوائد أبي إسحاق”: وهو شرح للألفية توجد منه نسخة خطية بالمكتبة العامة بتطوان؛ “إمداد أبحر القصيد ببحر أهل التوليد”: وهو ضمن مجموع بالخزانة الوطنية بالرباط؛ “إنشاد الشريد من ضوال القصيد”، وهو شرح للشاطبية، توجد نسخ منه في الخزانة الوطنية بالرباط وفي مكتبة الإسكوريال؛ كتاب “بغية الطلاب في شرح منية الحساب” وهو كتاب نفيس في الرياضيات طبع طبعة حجرية بفاس، ثم طبع من طرف معهد التراث العلمي العربي بحلب (سوريا) سنة 1983 بتحقيق الأستاذ الفاضل محمد سويسي. وتوجد من كتاب “المنية” مخطوطات بالإسكوريال، وباريس وتونس، ومصر والرباط. وفهرسة ابن غازي الشهيرة “التعلل برسوم الإسناد”؛ وله “تكملة أوضاع المخمس خالي الوسط وكيفية التصريف به على أحسن نمط”، وهي قصيدة من 114 بيتا مطلعها: ألا إن خالي القلب من كل شاغل (توجد بالخزانة الوطنية بالرباط)؛ له أيضا “كشف الالتباس والغلط على أوضاع المخمس خالي الوسط، وهو نظم في 38 بيتا، محفوظ في الخزانة الوطنية بالرباط؛ وله أيضا “الجامع المستوفي لجداول الحوفي: وهو ذيل على كتاب الفرائض الحوفية للقاضي أبي القاسم الحوفي المتوفى سنة 580هـ، مخطوط بالخزانة الوطنية بالرباط؛ له أيضا حاشية على مختصر خليل؛ وحل مشكلة ابن عرفة في مختصريه؛ لابن غازي أيضا كتاب شهير في التاريخ هو “الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون” وهو كتاب مختصر نفيس طبع بالمطبعة الملكية سنة 1964م..

لابن غازي أيضا كتاب “كليات في الفقه” ألفه في أوائل 893هـ؛ وله مؤلف صغير طريف في ماحيا (الخمر المقطر من التين غالبا) سماه: مذاكرة ابن اسحاق بن يحيا؛ له أيضا “منية الحساب”، وهي قصيدة في 250 بيتا ذكر فيها مبادئ علم الحساب، وهي التي شرحها في كتابه “بغية الطلاب في شرح منية الحساب”.

وفهرسة ابن غازي حافلة بالإجازات العديدة التي اتصل بها ابن غازي من بعض أساتذته، وبعدما انهى ابن غازي فهرسته أنعم الله عليه، كما عبر هو بنفسه، بإجازة ابن مرزوق الكفيف، فذكر نتفا من أخباره ونبذة من سيرته وبعض شيوخه، ثم ذكر الكتب التي أجازها له ابن مرزوق…

وفهرسة ابن غازي من أشهر الفهارس المغربية على الإطلاق، والجدير بالذكر أنها تحتوي على مئات المؤلفات التي كانت مقررة في التدريس، مما يشهد بصدق عن الحركة العلمية والفكرية زمن ابن غازي، ويبين عن رسالة الجامعة والبرامج التربوية وعلاقة كل ذلك بالقيم والمجتمع، وهذا مبحث نبيل ما أحوجنا إلى توظيفه اليوم في بلدنا المبارك بحثا عن علاقة ما بين الثقافة والمجتمع، وقد قال عبد الحي الكتاني عن فهرس ابن غازي: “هو فهرس نفيس جدا في نحو سبع كراريس ما أعذب سياقه وأجمل طرقه”. وقال أبو العباس الهشتوكي:

وفهرسة الشيخ ابن غازي  مفيدة          عليك بها فهي النهايـــة في الأمر

وجدير بالذكر أن فهرسة ابن غازي مثلت مصدرا ثريا للمؤرخين الذي عاصروا ابن غازي والذين جاءوا بعده، فاستقوا منها الكثير من الأخبار والتراجم والفوائد العلمية والعملية والاجتماعية، فقد نقل عنها القرافي في توشيحه، وأحمد بابا التنبوكتي في “نيل الابتهاج” والوزير السراج في حلله، والمقري في “نفح الطيب”.

وأختم هذه المقالة بالتأكيد على براعة صاحبنا ابن غازي في علم الحساب، ويمكن القول أنه جمع بوعي كوني كبير بين علوم المقال وعلوم الحال، مدركا أن ذلك هو المدخل إلى العلم الكوني ضمن جدلية الغيب والإنسان والطبيعة.. فقد ألف رحمه الله كتاب “منية الحساب”، وهي أرجوزة مطلعها:

يقول راجي العفـــو والمغـازي          محمـــد بــن أحمد بن غــــازي

الحمــــد لله الـــــذي قــد نـوّرا          قلوبنـــــا بمــــا بهـــــا تفجـــرا

من كــــــل علـــم فائق ورائق          تسرح منه النفس في حدائق

إلى أن يقول:

 ضمنتـــــه مسائـــل التلخيص          وربمـــــا أزيــــد في التمحيص       

تحريــــرا أو مسألـــــة غريبــة          أو نكتــــة مونقـــــة عجيبـــــة

وربمــــا استغنيــت بالتلويــــح          مخافــــة الطول عن التصريــح

فجــــاء تأليفنــــا صغير الحجـم          قد احتوى على كثير من العلم

يقــرب الأبــــواب والمعـــــاني          ويضبـــط الأصـــــول والمبـاني

إلى أن يقول:

وإنمـــــا رغبت فـــي النظــام          لأنـــــه أقـــــرب فــي المـرام

فهـــو الذي تصغى له العقول          وسيـف من حملـــه مصقــول

فتكون “منية الطلاب” مشتملة على ما جاء في “تلخيص أعمال الحساب” لابن البناء المراكشي من قواعد ومسائل، حاوية لبعض الأمثلة الطريفة قصد البيان والتوضيح، ولابن غازي شرح على “المنية” سماه: “بغية الطلاب في شرح منية الحساب”، طبع بفاس طبعة حجرية سنة 1897، وطبع مرة أخرى كما سبق أن أشرت إلى ذلك في المعهد العلمي العربي بجامعة حلب بسوريا سنة 1983. ويستند ابن غازي في شروحه العلمية في مادة الحساب على “تلخيص أعمال الحساب” لابن البنا، وعلى “رفع الحجاب عن تلخيص أعمال الحساب” لابن البنا أيضا، ومختصر الإمام أبي بكر الحصار، وعلى رسائل “شيخ شيوخه” أبي الحسن ابن هيدور التادلي..  

وبعد، فقصدي من هذه المقالة المركزة استعادة ذكرى هذا العالم الفاضل الذي أحب العلم بشكل منقطع النظير، فبارك الله له في حياته وأهله وتلاميذه ورسالته، وهذه طبيعة من أخلص للعلم وأدرك أنه أنبل شيء في الوجود… رحم الله العلامة ابن غازي وجازاه عن المغرب والإنسانية خيرا، والله الموفق للخير والمعين عليه..

التعليقات

  1. الاستاذ رقيق قادة طالب وباحث

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    وبعد
    جزاكم الله كل خير على هذا الاشعاع الحضاري للعالم والولي الصالح ابن غاز رحمه الله وارجو من سيادتكم افادتي بكتبه الالكترونية إن امكن لاني ابحث عن علاقته بسيدي عيسى ابن موسى..
    فابن غازي له وثيقة يشيد فيها بسيدي عيسى على اساس انه شيخه وهو توفي 919هـ في حين ان الرجل توفي 962هـ فان قيل لنه من تلتميذه فهذا معقول بل حتى هذه ينفيها بعض المؤرخين
    وريثما اقف على الحقيقة سأفيدكم وهذا في غياب مؤلف ابن غازي
    شكرا والسلام عليكم ورحمة الله

أرسل تعليق