Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

تعليق واحد

كيف نخرج الشباب من الفقر العلمي الفادح

سعة الاطلاع وطَرق ميادين المعرفة والفكر يقودان من الشك إلى اليقين؛ لأن الحق واحد يقود أصحابه إلى الإبداع مهما تعددت أوجه الباطل، ومع تدافع الحق والباطل فالبقاء للحق؛ لأنه عطاء وسخاء يمكن الحقيقة من الصمود والبقاء والخلود بسمتها وملامحها به تتوصل أسرنا الحاضرة بأجيالها بنين وبنات إلى اقتناص خيوط تمكنهم من مواكبة النهضة الحديثة مع روح الإسلام كنظام حياة شامل ومتميز، حتى الوصول إلى الغاية بثقة واطمئنان، وإن امتلأت الأجواء الإنسانية بالسحب والغيوم الداكنة؛ ولأن الحق الذي نادى به الإسلام يسعى لتأسيس صرح إنساني شعاره الحرية والكرامة والعزة.

وبالصبر الطويل والكفاح المرير تحدث تطورات، وتشرق على الدنيا شمس بشعاع جديد وآمال جديدة، يتمتع فيها الكبار والصغار بنعمة الحياة، واستئصال آثار التخلف واقتلاع جذور الفقر، وتطهير العقول من الأمية والجهل بأسلوب الحياة الحديثة الواعية، ويومها تتاح الفرصة لمن أتى بعد أن يثبت وجوده بنجاح، في أي موقع من مواقع العمل، وضرب الأرقام القياسية العالية في الإنجاز والتنافس في العمل الجاد ليختفي الصراع، وتوضع كل الطاقات في ابتكار عمل جاد مثمر بدلا من إضاعتها في التفاهات العنصرية والإثنية التي بذر أشواكها الاستعمار ودعاة التغريب الأعمى، وآنئذ تكون عيون الأسر مفتوحة لرؤية كل العوالم، وتعميق الاتجاه في الفهم الديني، وتوعية الكل بأن خير هذه الأمة في أحضان الإسلام، وبدعوته الصالحة لكل الأزمنة والأمكنة هو وحده كفيل بصد التيارات الهدامة قال تعالى: “فتوكل على الله إنك على الحق المبين” [النمل، 81].

وسيظل الإسلام رمزا حيا في آثارنا وحضارتنا بما له من عطاء كامل، وهبته أرض الإسلام قبل أن تعي البشرية حقيقة وجودها، وقبل أن يتفتح العقل البشري، يوم كان التاريخ ما زال على بطاحها طفلا يحبو، وفي أحشاء سهول أرض الإسلام الطيبة ترعرعت شجرته حتى غدت دوحة عظيمة في أفيائها وتحت ظلالها الوارفة ألفى الإنسان الضائع إنسانيته، وبمعاني هذه الشجرة الباسقة تعرف الإنسان على معالم الإسلام الرحبة الرحيمة، واقتطف من ثمارها أشهى وألذ المطعومات الفكرية التي أيقظت الضمائر لتتنسم هواء الكرامة الإنسانية، قال تعالى: “وأتيناك بالحق وإنا لصادقون” [الحجر، 64].

والشرط الأساسي للأسرة النافذة أن تكون ذات إحساس قوي يغني فعلها عن اسمها، من كانت للأمة أجمع، ولكل من أحب الإنسان فهو أجدر ألا يخفر ذمته، ولا يخون أمانته وأن لا يترك الوفاء مهما حمله من تبعات وهذا النوع من الأسر سيبقى بفضل إسلامه صخرة عاتية تتحطم عليها أحلام المتآمرين وترهاتهم، وفوق ذلك فهي أسر تنفذ إلى عواطف الأجيال ومشاعرهم تمزج بين الفكر والعاطفة، تتحسس ما يعانيه الشبان والشابات من أزمات، فتقدم الحل المناسب مع التبصير بما يندس في أذهانهم من شائه الفكر، مراعية ظروف كل فرد بلا تعنيف ولا تجريح وصدق الله العظيم إذ يقول: “فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى” [طه، 43].

وتبقى قيادة الأسرة لإرادة كل جيل ذات شقين: فمن اختار النافع المفيد كانت الدنيا في عينيه جنة فيحاء بثمارها اليانعة نورا وجمالا، ومن اختار الضار المؤذي واستمرأ الرذيلة، رفعت في وجهه سوط التأنيب والتوبيخ، ليستيقظ الضمير ويضيق عليه الخناق، ويومها لا مفر له من إعلان الندم والتوبة قال تعالى: “بل الاِنسان على نفسه بصيرة ولو اَلقى معاذيره” [القيامة، 14-15].

وأخشى ما يخشى على الأسر من التتايع والتهويم، وهنا أقول ماذا يؤمل من ثمل بلا انتباه ولا تفكير ممن يسمي الأشياء بغير أسمائها، وتمتص الحياة اللاهية رحيق السعادة من دنياه، وهكذا العابث تغتاله الهموم وبهذا وبأمثاله تباد الأمة وينسحق المجتمع الإنساني، وسنة الله الجارية في عباده أن يحاول المرء الصعود في سلم الرقي الإنساني في علاقته بخالقه ومع الوجود من حوله، وفي تعامله مع أخيه الإنسان، وهكذا ستظل الأسر مسافرة تلتمس لكيانها زاوية أو شجرة بها ظل تتخلص من جهد البلاء، تنهض وتكبو ولا تيأس، لاسترجاع ما فاتها وتعويض ما فقدته، وليس كالمبادرة دليل ولا برهان، والتجربة الإنسانية معملها التاريخ والتاريخ يقول: والبداية معيار التدبير والتقدير، ورحلة العمر سفر يحكم مواقع الاحتشاد، وفي الطريق الزماني أضرار وأخطار تنبع منها ما يهون الأعباء الجسام، والعاقل الواعي من الأسر كلما تعمق في بحر الحياة أدرك مدى عجزه كالسباح في بحر الماء العارف بمقدار عجزه كلما توغل في القاع والعمق، والأسرة تلميذة في مدرسة الحياة، فإذا ركبها الغرور وضعت أقدامها في مهب الفشل والسقوط، والنجاح في لجة الحياة اشق وأعسر في مدرجات المعاهد والجامعات، ولا حياة إلا في ضوء شمس الإيمان وحرارته، ومن لا يعقل من الحياة إلا الغرائز والشهوات يحيا حياة الجاهل وصدق الله العظيم إذ يقول: “خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين” [الاَعراف، 199]، ويرحم الله الشاعر محمود مفلح وهو يقول:

إيه يا دوحة العــقيدة كونــي        للضــحايا المعـــذبين مـــآبــا

وامنحيهم من اليقين شعاعا        وامنحيهم من الهدى محرابـا

إنها رحــلة الشـــقاء ولــكــن        رحمــــة الله لا تغــلق بــابــا

ونحن ما زلنا نجهل قيمة الشباب في قيادة الحضارة العلمية بجميع فروعها في تحقيق الذات الإسلامية، والوصول بالرقي بالإنسان، وتحقيق الاكتفاء الذاتي بل نحتاج إلى المزيد من الجهد من الجهات التي تتبنى الأجيال لدعمها والخروج بها من الفقر العلمي الفادح الذي تكبلنا به عقدة التفوق الأجنبي، وما دمنا لم نقيض لأعظم عبقري من أبنائنا وبناتنا إلى أصغر موهوب منهم من يتعهده بالرعاية كي يؤتي ثماره وهو يؤكد اتصاله بأعمق ما تحمله الوشائج الإنسانية، في انتصاراتها وأفراحها وانكساراتها وأتراحها ومطامحها وتطلعاتها، وهي تعكس في مرآة الكون استشراف الحياة والعيش، والتأمل السامق بنزعة روحية غامرة تأملية، تجرد الأجيال من الطينية في عالم المادة، ليصبح الكون بما فيه ومن فيه كيانا شفافا رائقا لا تتنازعه الشهوات ولا تثقله الزخارف المزيفة، ولا لعنة التحولات الحادة التي ميزت الغافل من النابه لكشف الغامض وفتح المغاليق.

وأنا لست بالمتشائم إذا قلت إن العيون لتدمع، ولكن ما نفع الدمع إن لم يغسل عيونا فيزيل عنها الغشاوة؟ وما قيمة أحزان لا تفجر طاقات لتوقظ قلوبا موهنة لتصحو من غفلتها، وتذكر عهد ربها ليغير من حالها، فانحارفنا ذات اليمين وذات الشمال، وانجرافنا في تيارات كافرة تنصب لكل الإنسانية العداء، وتسعى دوما لأبناء وبنات الإنسان، فبعثرت فكرهم لا هم معتزون بتراث الأجداد، ولا هم من صناع الواقع المعاصر، بل أدخلوهم كهوفا لا تتفتح كواتها الضيقة، لا يمكن لبشر أن يتخيل بشاعتها وحبسهم في أغوارها المغلقة، وكأن التاريخ يعود إلى الوراء بقامته المرعبة يعاملونهم بقساوة وبمستوى أقل من الحيوانات كأنهم ليسوا من البشر ويرحم الله الشاعر أبا الطيب المتنبي وهو يقول:

رمانـي الدهــر بالإزراء حـتـــى        فؤادي في غشــاء من نبـــال

فصرت إذا أصابتنــي ســهـــام        تكســرت النصال على النصـال

ولقد آن الأوان لكي تسترد الأسرة المسلمة دورها الذي افتقدته في المجتمعات الإنسانية طويلا، لقد أدى غياب هذا الدور إلى أخطار في أهم القضايا البشرية غيبت الأمة مما أوقعها في ظروف مريبة من الارتباك والقنوط..

أنرضى لأجيالنا أن تكون أفقر وأتعس أجيال الإنسانية الحاضرة والآتية، والإنسان إذا تملكته إرادة الحياة لا يرضى بالغباوة، ولو خير أن يكون مخلوقا آخر لاختار أن يكون نسرا في الجو يعانق السماء في شموخ؛ لأن القوي هو الذي يحترمه الجبناء، ومن امتلك الذكاء انتصر على الأغبياء وإن كانوا أقوياء والأمة التي تحترق وتذوب مع الأنين، أنى لها أن تمتلك مقدرة تسد بها نافذتها السوداء التي يدلف منها هواء الفقر والجهل بلا هوادة جافا متعبا حارقا يكبلها بالبؤس؟

وانعدام التواصل بين الأسر الإنسانية خلق للبشرية أجيالا بلا رواد، والحل. الأسرة المسلمة لأنها ميدان مفتاح كل المواهب لسماع صوت الإسلام الذي يقول: “وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين” [الاَنبياء، 106]، لسماع صوت الحق في جو التسامح الإنساني والحوار الإيجابي الذي تعلق عليه تلك الآمال الكبار في الخروج بأمتنا من مأزقها التاريخي الذي تنحدر به في مكان سحيق.

ومن أجل ألا تنساق الأجيال وراء المواقف الخاطئة لكن، ومن أجل ألا تحتويها هذه المواقف الخاطئة، عليها أن تتحول إلى مسؤولية الرؤية الشاملة لمواقع الخطأ والصعاب، والانتقاء الواعي لكل ما من شأنه أن يشعل الأضواء في طريقها صوب المستقبل، ويقدح شرارة الإيمان والثقة في نفسها أن تتحول من حالة السكون التي تعاني منها إلى حالة حركية لا تترك الزمن والتراب وسائر المكونات الحضارية تفلت من بين أيديها؛ لأن سنن الكون ستظل سارية ويبقى الذين اختاروا؛ لأن الأجداد العظام علمونا أن ننظر إلى المستقبل كل وفق قدرته وإمكاناته لأنهم وجدوا القرآن يقول: “سنريهم ءَاياتنا في الاَفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق” [فصلت، 52].

التعليقات

  1. مسلمة

    موضوع جيد، جزاك الله خيرا

أرسل تعليق