Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

الأسر وقيادة قاطرة الأجيال الغاضبة

من أجل أن تواكب الأمة التنمية الجديدة لابد من شروط لمعرفة ما يدور من حولها من تطورات، وهو ما يدعو إلى الوقوف من حول العالم كما يفعل العمالقة العباقرة النوابغ، أما الاعتزال عنه والهروب منه بدعوى أننا غير قادرين على فهم ما يجري أو أننا أدنى مرتبة، فذلك هو الموت الحضاري البطيء، ومن لم ينتبه لا يصان حقه، ولا كرامة له في دياره والعجيب الغريب أن موقعنا الجغرافي في هذا العالم على سعته وامتداده الطبيعي يزخر بآلاف عديدة من العقليات العلمية الممتازة، ومع ذلك لم نصل بعد إلى تحقيق الأمل المنشود من هذه الخبرات والعقول، مما يجعلنا نخجل من التاريخ ما دمنا متشبثين بمفاهيمنا البدائية، وتلك هي حالنا اليوم من واقع ما نراه، ومن البسائط المعروفة أن التنمية لا تكفي فيها الموهبة وحدها، إذ لابد من مراجعة القواعد المتعارف عليها، وفقا للأصول لاكتشاف روح المسؤولية، حسب مقتضيات الموقع الذي يقام عليه بناء التنمية حتى يتلاءم المحتوى مع الطموح.

ومن الشجاعة أن نعترف بأنه لا توجد حياة دون متاعب وعراقيل، والانتصار في بحر الحياة لا يكون إلا بالتصدي لكل معوقات التقدم الفكري المتطور بشجاعة وجدية متألقة، ومن أجل اللحاق بركب العصر فلابد من كتلة إنتاجية ذات فاعلية في تطوير العقلية البدائية، ولا بد من تحديد الأهداف والمقاصد وأن نحدد في الوقت ذاته إننا في حاجة ماسة إلى تفكير معقلن يعمل على زرع التفاؤل وروح الجد ويفتح للأسر المسلمة آفاق الكشف والاختراع والعطاء والإبداع في وجه الأجيال المتعلمة.

والأسرة المسلمة قادرة أن تفيد من الوقت الضائع المهدور، وهي مطالبة بصياغة مصادر إبداع مع شبابها وتقديمها للإنسانية المكلومة في قالب يتماشى مع التنمية الحديثة، أما الجنوح إلى الوراء هو انتظار القوي حتى يبتلعه ويلفظه من جديد جسدا بلا روح، وللتنمية صبغات ومفاهيم مختلفة تعكسها ظروف الحياة وملابساتها لمواجهة المجهول والانتقال نحو الأفضل، بكل وإجلال واحترام.

كما أن شباننا وشاباتنا يمتلكون عبقرية فذة في دواخلهم في كل مجالات الحياة، إذا وجدوا اليد الحانية من الأسر الراعية لإيقاع التطور وتفجير تلك العبقريات في شتى مناحي الحياة، أما عملية الخلق والإبداع، فيمكن أن تبنى على أساس من الأصيل والمعاصر بما يقيل عثار الأمة، ويوقظ نيامها، ويرد أبناءها إلى طريق العزة والمجد بالحكمة الهادفة، والأمة المريضة لابد لها من مبضع الجراح الحازم عندما يراد برؤها وشفاؤها، والمرآة العاكسة لأمراضنا لا ترضى بأنصاف الحلول وتبكي حظها في غرفة خارج السرب، ومن لم يصل إلى المنابع الخفية بكل ما فيها من قلق همة، وعزة واستجداء سيعيش أبد الدهر في سعار من جحيم، ويتجرع مآسي الحياة حتى الثمالة.

والأسرة المسلمة أمامها رحلة طويلة وشاقة، حتى توصل إسلامها إلى كل إنسان، عليها أن تتبنى موقفا صريحا تصبح فيه الدعوة إلى الله، وكل أسرة مسلمة عليها أن تتحول إلى مدرسة تبني أكثر مما يهدم أصحاب المصالح الضيقة، مرددة مع الشاعر:

أبناء الوطن هلموا        سيروا إلى الأمام

ارفعوا الصوت قويا        فالحـــر لا يضـــام

إن مصدر البناء الحضاري الإسلامي للأسرة المسلمة ينبني بالخصوص على التشبث بالقيم الإسلامية النبيلة، والإيمان بالعلم والعمل الجماعي المنتج فيما يخص جميع المناحي التي تقوم عليها حياة الأمة المثالية، التي تسعى دائما إلى صنع الإنسان المسلم المتزن في شتى مجالات الحياة، والتي تعطي للإنسانية كل ما يتزاوج فيه شموخ الماضي بازدهار الحاضر، مجدا وأصالة بجمال الحضارة الراقية كما تعطي لها القدرة على الإصلاح وإعادة الأمور إلى أماكنها، وإيمان المسلم هو نقطة دائرة الحق، وكل ما عداه في هذا العالم المادي وهم وعبث، وهو ذاك المسلم الذي يزيل عن الإنسانية غمتها المظلمة الكالحة السواد، واقعي ملتزم بقضايا أمته، ينطلق مع مسيرة الحياة بحيوية وإقدام وصبر على ما يلقى من الصعاب في ذلك، وإن اعتورتها نوبات ركود وضعف.

وبسعي هذه الأمة المثالية لقيادة الأجيال نحو تطلعات مشرقة واضحة المعالم والأهداف الإستراتيجية المنشودة، والممزوجة بخصائص فكرية حضارية متميزة، تسعى دوما للقضاء على كل أوزار التخلف وتحدي كل المعوقات والعراقيل التي تقف حجر عثرة أمام تقدم الأسر. أسر آمنت بصحة ما تبذل لمعرفة الفاسد من الصحيح والباطل من الحق، ومن علامات النجاح في النهايات عندها الرجوع إلى الله في البدايات، ومن الشك إلى اليقين تردد مع الشاعر قوله:

وجربت كــل زمـان مضـــى       وقد حزت من كـل ماض أثر

إن الإسلام يدعو أهله أن يعملوا على بعث جديد، وإعادة دور الأمة الحضاري الحقيقي، وبما يعزز الروابط بين بني الإنسان، ويقوي التضامن والتعاون لقهر الثالوث المخيف من المرض والفقر والجهل، وتشييد عهد جديد لأجيال البشرية لتنظر إلى المستقبل بإصرار وفرحة وأمل، وإصباغ الحياة بصبغة الحداثة والعصرية، ودفع عجلة النمو إلى الأمام، حتى تصبح الأمة مؤهلة لصنع معجزات التنمية بفضل الإسلام، وبخطوات رائدة في مجال نشر الإسلام، والانطلاق بالدعوة في آفاق تتسم بالعمق والتأثير الفعال، تدعمها الإمكانات المادية والمعنوية الهائلة لهداية الناس إلى نور وجه الله القيوم على السموات والأرض، وبمنطق كامل لمنهج العمل، وبما يستهدف السيطرة على الحياة بمجالاتها المتعددة، وتوجيهها بميزان الله الذي لا يعتوره خلل ولا تبديل مصداقا لقوله تعالى: “ألر كتاب اَنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد” [اِبراهيم، 1-2].

والأسر التي تحترم نفسها وتعتز بعملها، هي التي تقدم للمجتمع أجيالا وحلولا عملية لقضايا الساعة باذلة عصارة ذهنها كأشعة لاهبة تبث الأمل والقوة لاحتضان المواهب المبدعة من كل جيل في ظلال هذه التحولات التي تعرفها الدنيا، والإسهام في تقديم رؤية فكرية معاصرة تنبض بقيم العصر ومنجزاته، في الوقت الذي تضرب فيه بجذورها في أغوار تاريخها الزاهر وحضارتها المجيدة، وبالمساهمة في صياغة العقل الذي يرفض التخلف، ويستعلي على الانبطاح ويتأبى على التبعية والتلاشي “حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله” [الاَنفال، 39]

وكل أسرة متشبعة بالجدية والموضوعية تهتم بصنع جيل جديد مؤهل يقود الحياة النابضة، بقيم العصر ستنقذ مستقبل الإنسانية من مخاض الهول الهائل من الهوان، في الحاضر ومن الآن بما ينضج جيلا جديدا من العلماء والمفكرين، ليكونوا هم ضمير الأمة لتخليص الإنسانية من الأدران التي لحقت بها في الماضي والحاضر، ومجاهدة الجهل الباغي والثراء الفاحش والفقر المهلك.

أرسل تعليق