Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

مبدأ اللزوم ومراتب الدلالة.. (12)

ب. انبناء مفهوم المخالفة على النقيض

لقد تبين أن مقتضى مفهوم المخالفة هو أن يكون حكم المسكوت عنه نقيضا لحكم المنطوق به، ومعلوم أن النقيض مفهوم مغاير لمفهوم الضد، وهذا ما نبه إليه الإمام القرافي بقوله: “وقولي في مفهوم المخالفة إنه إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه احترازا عما توهمه الشيخ بن أبي زيد وغيره، فاستدلوا بقوله تعالى: “ولا تصل على أحد منهم مات أبدا” على وجوب الصلاة على أموات المسلمين بطريق المفهوم، وقالوا مفهوم التحريم على المنافقين الوجوب في حق المسلمين، وليس كما زعموا، فإن الوجوب هو ضد التحريم، والحاصل في المفهوم إنما هو سلب ذلك الحكم المرتب في المنطوق، وعدم التحريم أعم من ثبوت الوجوب، فإذا قال الله تعالى: حرمت الصلاة على المنافقين، فمفهومه أن غير المنافقين لا تحرم الصلاة عليهم، وإذا لم تحرم جاز أن تباح فإن النقيض أعم من الضد، وإنما يعلم الوجوب أو غيره بدليل منفصل، فلذلك يتعين أن لا يزاد في المفهوم على إثبات النقيض”[1].

ج. تعدد المفهومات المخالفة

قد تتعدد المفهومات المخالفة بالنسبة للقول الواحد، وتختلف باختلاف القيود التي يتضمنها، ومثال ذلك قوله تعالى: “وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن” [الطلاق، 6].

فالآية تدل بمنطوقها على وجوب النفقة للمطلقة طلاقا بائنا إذا كانت حاملا حتى تضع حملها.

فهذه الآية تتضمن قيدين: قيد الشرط وقيد الغاية. فقيد الشرط نشأ عنه مفهوم مخالف هو عدم وجوب النفقة للمبتوتة التي لا يتوفر فيها شرط الحمل، وقيد الغاية تولد عنه مفهوم مخالف هو عدم وجوب النفقة للبائن بعد وضع الحمل.

مبدأ اللزوم ومراتب الدلالة.. (12)

واستنادا إلى سياق الخطاب ومقامه فإن المفهومات المخالفة قد تتوالد وتتعدد تبعا لتعدد القيود التي يشتمل عليها الخطاب، إذ بفضل المقام يمكن أن نجعل لكل واحد من هذه القيود مفهوما مخالفا معينا يتولد عنه.

د. اشتراك المفهوم بنوعيه الموافق والمخالف في الآلية الاستدلالية

يشترك مفهوم المخالفة مع مفهوم الموافقة في آلية استدلالية واحدة تتميز بطابع نقلي، أي نقل الحكم من المنطوق به إلى المسكوت عنه. وهذا النقل يتخذ وجهين:

وجه الحفظ: إذا تم الحفاظ على الحكم في الطرفين، كما هو الحال في مفهوم الموافقة؛

ووجه الإلغاء: إذا تم نقل نقيض حكم المنطوق للمسكوت كما هو الحال في مفهوم المخالفة..

وعليه فإن هناك تلازما بين الدلالتين من حيث كونهما تلزمان عن آلية استدلالية واحدة، ومن ثم يتبين أن الحنفية باعدوا الصواب في جعلهم مفهوم المخالفة من الاستدلالات الفاسدة علما بأنهم أخذوا بدلالة النص (مفهوم الموافقة)؛ لأن من يقول بمفهوم الموافقة يلزمه بالضرورة القول بمفهوم المخالفة[2].

يتبع في العدد المقبل…

———————————————-

1. شرح تنقيح الفصول، ص: 55، والأمر نفسه قرره في كتابه الفروق، 2/36-37.

2. تأمل قول ابن القصار السابق: “ثم ينظر في حكم المسكوت على سبيل ما ينظر في الحوادث التي لا نصوص فيها”، المقدمة، ص: 81. وانظر كذلك اللسان والميزان، ص: 119-120.

أرسل تعليق