Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

٪ تعليقات

المظهر الاعتقادي لحرية التعبير عن الرأي في الإسلام

أريد أن أفتتح هذه الإضاءة بالتنبيه على مبدإ اعتقادي راسخ في الدين الإسلامي مفاده أن الإنسان الذي جعله الله تعالى خليفة له في الأرض هو إنسان متحرر. نعم لا شك في ذلك، لكنه مسؤول في الوقت نفسه عن تحرره. فالاقتصار على عبادة الله وحده من خلال العقيدة الإسلامية، يحرر الإنسان من أشياء كثيرة وقيود متعددة استعبد من خلالها الإنسان أخاه الإنسان. أشياء وقيود تكبل فكره، وتأسر عواطفه، وتعوقه ليس فحسب عن التمتع بثمرات كسبه، وإنما  تصرفه أيضا عن فرصة  التعبير عن ذاته بكل ما ينتجه التعبير الحر من أفكار وآراء ومواقف وهموم وآمال وآلام.

إن الأصل في مظاهر حرية التعبير الإسلامي عن الرأي هو أن لا سلطان لأحد على رأي الإنسان وفكره، ولا سلطان لأحد على تعبير الإنسان وبيانه. فهذا تحرر لئن كان الأصل فيه هو الإرسال والإطلاق؛ فإنه مقيد في الواقع العملي بمسؤولية الخلافة التي تجعل تعبيراته وآراءه مقيدة برعاية وصيانة مصالح غيره.

وهكذا، وانطلاقا من هذا المبدأ الإسلامي الكلي [1]، تتعدد مظاهر حرية التعبير عن الرأي في الإسلام. وفي طليعتها المظهر الاعتقادي؛ لأن العقيدة الإسلامية تنفي نفيا عاما أي إكراه، فترسخ بذلك لمبدأ الحرية عامة، ولمبدإ حرية التعبير عن الرأي خاصة.

فالإنسان، تبعا للعقيدة الإسلامية، إنسان متحرر ليس فحسب في ضميره، وليس فحسب في جسده، وإنما هو أيضا متحرر في رأيه وفي أسلوب التعبير عنه، بكلام آخر إن الإنسان في الإسلام متحرر من “سلطان العباد[2]؛ لأنه مكلف دائما بالتحرر من سلطان العباد على تعبيره، ومنشغل باستمرار بالتحرر من سلطان العباد على فكره واعتقاده وعمله.

لقد عاب الله تعالى من لم يستعمل قدراته المختلفة من أجل التعبير عن ما يكنه فؤاده من مشاعر، وما يكتنزه عقله من آراء. وهذا واضح في قوله تعالى: “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون” [سورة الاَنفال، الآية: 21] وهو أوضح في قوله تعالى: “ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والاِنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون”  [سورة الاَعراف، الآية: 178]

وفي نظري يستنبط القارئ لموقف الملائكة من استخلاف الله تعالى لآدم في الأرض درسا كبيرا في حرية التعبير عن الرأي. قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الاَرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك”[سورة البقرة، جزء من الآية: 29]، لا شك أننا إننا إزاء جرأة في التعبير عن رأي يراه الملائكة، رأي صرحوا به أمام الله عز وجل، فهم عبروا عن رأي يتناغم مع مستوى علمهم ومع مرتبة من مراتب المعرفة بهذا المخلوق. ولم يأخذ الرد الإلهي عن رأي الملائكة وجهة التقريع والتوبيخ والتعنيف. كما لم يكن الرد الإلهي ردا بالوعيد والإنذار لأهله. كلا لم يأخذ ذلك وجهة الاعتراض السلبي. ولم يكن في مستوى التقريع العنيف، وإنما كان الرد ردا علميا لقوله تعالى: “إني أعلم ما لا تعلمون” [سورة البقرة، جزء من الآية: 29].

لقد حكى الله تعالى عن إبراهيم في رحلته الفكرية والإيمانية، والتي أفضت به إلى التحرر من كل وصاية ومن كل تحجير. لكن قبل الإفضاء إلى هذه النتيجة أخضع إبراهيم كثيرا من الأدلة إلى سلطة العقل، ومن ثم تبين له بعد الفحص للكثير من الاحتمالات، وبعد التمحيص للعديد من الافتراضات حتمية الإيمان بالله عز وجل فصرح وعبر كما قال تعالى: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والاَرض حنيفا وما أنا من المشركين” [سورة الاَنعام، الآية: 78]. إن إبراهيم عليه السلام لم يعقه الإيمان بالله عز وجل عن التفريط في التعبير الحر عن حاجته الماسة إلى الاطمئنان القلبي. قال تعالى: “وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تومن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم اَدعهن يأتينك سعيا واعلم اَن الله عزيز حكيم” [سورة البقرة، الآية: 259]، يبدو أن إبراهيم عليه السلام لم يمنعه إيمانه بقدرة الله عز وجل على إحياء الموتى عن التصريح برغبته الصادقة في معرفة الكيفية التي يحيي الله بها الموتى.  لم يكن الرد الإلهي مرة أخرى تعنيفا ولا استنكارا، وإنما كان سؤالا: “أو لم تؤمن”. وفي سياق هذا المظهر روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: “رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي” [3].

والحاصل أن المطلوب من الإنسان في الإسلام أن يتكلم بلسانه هو، وأن يفكر بأسلوبه هو، وأن يعيش في هذا الوجود من خلال اختياره هو. فعلى قدر نوع استعماله لوسائل البيان، وعلى قدر تحكمه في أشكال التعبير، وعلى قدر امتلاكه لأدوات التفكير، على قدر هيمنته على كل ذلك يثبت الإنسان جدارته في الاستخلاف الأرضي بكل ما يعنيه من قدرة على التمتع بحقوقه، وفي طليعتها حق التعبير الحر عن الرأي، دون هذا يكون الإنسان في الإسلام مقيدا بالقيود التي تفرضها عليه بيئته. مثله في ذلك كمثل من لا يستطيع أن يعبر عن ذاته، ولا يقدر على الدفاع عن وجهة نظره؛ لأنه تكوَّن في بيئة لا تساعد على أن تكون له شخصية مستقلة في التعبير الحر عن رأيها، بل ولا تقدر على بيان فكرها. قال تعالى: “أو من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين” [سورة الزخرف، الآية: 17]، ولعل هذا بعض من مفهوم التحرر الذي سماه القرآن المجيد ب” الانفكاك”.

لقد أجاد من بين أن الاستعباد البشري هو أقرب المعاني اللغوية لمعنى عدم الانفكاك الوارد في قوله تعالى: “لم يكن الذين كفروا من اَهل الكتاب والمشركين منفكين” [سورة البينة، جزء من الآية:1]، أي، وكما بين الأستاذ علال الفاسي رحمه الله: لم يكونوا متحررين: “مما عبدهم لغير الله إلا بعد أن جاءتهم الحجة القاطعة التي ليست غير رسول يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيِّمة تخاطب العقل، وتدعو إلى التفكير، وتنادي بالحرية” [4].

————–

1. يعد الصحابي الجليل ربعي بن عامر من أبرز من صور هذا المبدأ فبعد أن وجه رستم سؤاله إليه قائلا: ما جاء بكم؟ قال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”. 2  – يراجع تفاصيل حوار الصحابة مع قيادة الفرس في: الطبري ابن جرير، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر 1979م، 3\23 وما بعدها – أحداث سنة 14هـ.

2.سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1403هـ، 1983 م، ص: 200. يرجع للتوسع في هذه النقطة ما كتبه سيد قطب رحمه في موضوع “التحرر الوجداني”. العدالة الاجتماعية في الإسلام، القاهرة، دار الشروق، الطبعة السادسة عشرة، 2006 /  1427 هـ، ص: 32 وما بعدها.

3.صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب “وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى” رقم الحديث 4537.

4.علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، البيضاء، مكتبة الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1963م، ص: 246.

التعليقات

  1. عبد الله ناصح

    هذه بعض الملاحظات المتواضعة:
    قال الكاتب الباحث الدكتور عن الملائكة: "لا شك أننا إننا إزاء جرأة في التعبير عن رأي يراه الملائكة… كما لم يكن الرد الإلهي ردا بالوعيد والإنذار لأهله. كلا لم يأخذ ذلك وجهة الاعتراض السلبي".
    أقول: من صفات الأنبياء والملائكة أنهم لا يعترضون سلبيا على ما أمرهم الله به. ولا يتكلمون بـ "آرائهم" في الدين أي أن ليس لهم "حرية التعبير".. والملائكة جاء في وصفهم أنهم (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يومرون). وهم لم "يعترضوا" على خالقهم. ابن الجوزي في زاد المسير قال أن الملائكة قالوه لاستعلام وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض وقيل إن ظاهر الألف الاستفهام، دخل على معنى العلم ليقع به تحقيق، قال جرير: (ألستم خير من ركب المطايا).
    قال الكاتب: (لقد حكى الله تعالى عن إبراهيم في رحلته الفكرية والإيمانية، والتي أفضت به إلى التحرر… ومن ثم تبين له بعد الفحص للكثير من الاحتمالات، وبعد التمحيص للعديد من الافتراضات حتمية الإيمان بالله.
    أقول: إبراهيم عليه السلام لم يقم بـ "رحلة" فكرية لمعرفة خالقه. أرجو أن نتمعن فيما قاله علماء التفسير من أهل السنة. لا في ما قاله سيد قطب الذي لا يعد مفسرا، الذي قال أن إبراهيم عليه السلام رأى كوبا وظنه ربه، ورأى الشمس وظنها خالقه، والعياذ بالله من هذا. لقد رد القرآن على هذا بقوله عن إبراهيم (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبـل). وقال: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين).
    قال وهو يقدم ما يراه نصيحة:(وأن يعيش في هذا الوجود من خلال اختياره هو). أقول: بل عليه أن يعيش وفق ما اختاره الله والرسول الأعظم.
    نصيحة لي أولا: علينا أن نتعلم علم العقيدة السنية كما فهمها الأولون من أهل السنة، ولا نتكلم بأذواقنا لكي يقال نحن "متحررون". وأنصح نفسي بلزوم العقيدة الأشعرية كما بينها علماءنا كما في منظومة ابن عاشر. ففيها الكثير من عقائد أهل السنة في ما يتعلق بالأنبياء والملائكة وصفاتهم الجائزة والمستحيلة والواجبة.

  2. مصطفى الحسن

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    بارك الله فيكم على هذا الموضوع القيم، الذي لوح إلى مفهوم حقيقة الحرية والتحرر في الاسلام،

    وارتباطهما الوثيقين بالعقيدة الإسلامية الإنسانية التي حررت الإنسان، وحررت عقله وعواطفه، وكل

    حواسه، وحققت بذلك المعاني السامقة للتوازن بين حقوق الأفراد والجماعة المبينة على أسس

    المحبة والتعاون والنصيحة…

    فكل عبد لله مائة بالمائة فهو حر بنفس النسبة، والعكس صحيح.

    وتقبلوا تقديرنا وجزاكم الله خيرا.

    ذ مصطفى الحسن تارودانت.

أرسل تعليق