Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

الدواوين عند الله ثلاثة

قال الله عز وجل تقدست أسماؤه: “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ” [الاَنبياء، 47]. يدل ظاهر الآية على أن لكل إنسان ميزانا توزن به أعماله فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، وهذا الميزان ميزان عدل ليس فيه بخس ولا ظلم كما يقع في وزن الدنيا؛ ثم أكد ذلك بمؤكدات “وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا“؛ أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها “وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ“؛ أي محاسبين على ما قدمتم من خير أو شر وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: دِيوَانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: “مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ” [المائدة، 74]. وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ أَوْ صَلاةٍ تَرَكَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلِكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لا يَتْرُكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، الْقِصَاصُ لا مَحَالَةَ“.

هذا الحديث يضع سلما معياريا لصنوف الأعمال التي يحاسب عليها الناس، فدواوين الأعمال أي صحائفها وسجلاتها ثلاثة “ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله“، فأخطر هذه الدواوين وأشنعها وأشدها عاقبة: الديوان الذي لا يغفره الله ديوان الكفر وديوان الشرك… الديوان الذي يحيل على قضية معرفة الإنسان بالله والإيمان به والتصديق به وتوحيده، وهو عنصر خطير ومهم في حياة الإنسان؛ لأن معظم مظاهر السلوك، وكثير من التصرفات والأعمال تنبثق من جهة عقيدته وإيمانه.

 ويليه في العظم والخطر: الديوان الثاني وهو الديوان الذي لا يترك الله منا شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة، أي لا بد أن يقع فيها القصاص من بعضهم بعضا، وفيه إشعار بأن الظلم ذنب شديد عند الله تعالى، ولذلك حرمه على نفسه وجعله بين عباده محرما، ومن ثم جعل حق الغير لا يهمل قطعا يوم الحساب قال الله تعالى: “وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” [التوبة، 19] وقال جل شأنه: “إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” [الشورى، 37]، وقال “إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ” [يوسف، 23]، ويمكنك أن تتبع هذا الموضوع في جميع آيات القرآن لتدرك أن الظلم هو أقبح الرذائل وأفحش الكبائر، وأنه المشكلة الكبرى التي وضعت لأجلها الشرائع، وبعث لها الرسل والأنبياء “لَقَدْ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” [الحديد، 24].

الدواوين عند الله ثلاثة

والظلم ليس مسألة اجتماعية تختص بالمعاملات والعلاقات فحسب، بل يعم ظلم الإنسان ربه، وظلمه لنفسه، وظلمه لموجودات العالم والحياة من حوله.. وظلم الإنسان لربه هو كناية عن معصيته بأشد المعاصي، وهما الكفر والشرك كما قال سيدنا لقمان لابنه وهو يعظه “يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم“، وإنما كان عظيما لأنه يتعلق بأصل الحقوق على الإطلاق، ولأن كل أشكال الظلم التي يعاني منها الإنسان في مختلف مراحل التاريخ متفرعة ومتشعبة منه. وأما ظلم الإنسان نفسه في أن يتعمد السير في الطريق الخطأ الذي يخسر به دنياه وآخرته، وإن يَرَ سبيل الرشد لا يتخذه سبيلا، وإن يَرَ سبيل الغي يتخذه سبيلا، وهو من الذين قال الله فيهم: “وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” [النحل، 118]، وقد يتحرك الإنسان في الحياة ليظلم الناس من حوله فيظلم أقرب الناس إليه كأقاربه وزوجته وأولاده.. والله جل وعلا لا يغفر للإنسان ظلمه لغيره قَرُب أو بَعُدَ إلا أن يغفر له المظلوم، وقد قال علي رضي الله عنه: “ألا وإن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب” فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله تعالى، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات يعني المعاصي الصغيرة، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا، وفي هذا المعنى قال الشاعر:

كن كيف شئت فإن الله ذو كـرم         وما عليـك إذا أذنبـت من بــاس

إلا اثنتيـن، فلا تقربهـما أبــــــدا         الشرك بالله، والإضـرار بالنـــاس

ولما عرف النبي صلى الله عليه وسلم خطر هذا الحق عند الله قال في آخر كلامه: “أيها الناس، من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد مني اليوم -أي فليقتص مني اليوم-، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد مني اليوم، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليستقد مني اليوم قبل أن لا يكون هناك دينار ولا درهم” وقال: “وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال“.

وأما الديوان الثالث، فديوان العفو والتجاوز، ديوان لا يعبأ الله به شيئا، ويتعلق بظلم الإنسان نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء…

والله المستعان

الوسوم

أرسل تعليق