Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

طرق تمويل الاستهلاك في منظور الفقه الإسلامي.. (8)

15. دور التوظيف في تمويل الاستهلاك

يعتبر التوظيف أحد الوسائل التي يلجأ إليها ولي أمر المسلمين إذا عجز بيت المال عن سد حاجات الناس العامة.

والتوظيف عند الفقهاء، هو قدر من المال يفرضه ولي الأمر على الموسرين لسد حاجة عامة شرعية[1]، بشروط خاصة[2].

فسبب التوظيف هو وجود حاجة عامة يحتاج الناس إليها، ويعجز بيت مال المسلمين عن سدها، ولا تكفي أموال الزكاة لإشباعها، وهي ضريبة تفرض على الأغنياء من أجل تمويل مصالح الفقراء.

وقد ناقش الفقهاء مسألة التوظيف[3]، واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن وبما أثر عن الصحابة، كما استندوا إلى القياس.

أما القرآن فاستدلوا بقوله تعالى: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” [البقرة، 176].

ووجه الاستدلال بهذه الآية أن قوله تعالى: “وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ..[4]. دل على أن الإيتاء هنا غير الزكاة، ويدل على ذلك عطف المغايرة، كما أن الآية ذكرت مشمولات البر، وهي الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيئين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد. وهذه المشمولات تعتبر من الأسس التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية، فدل ذلك على أن إيتاء المال في هذه الآية واجب وليس مندوبا[5].

وأما الحديث فاستدلوا بحديث “إن في المال لحقا سوى الزكاة[6]. ويشهد لصحة التوظيف من جهة القواعد الفقهية أن الشريعة الإسلامية حثت على إزالة الضرر “الضــرر يـــزال[7] و”تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام[8].

فلو نزل بالناس ضرر فينبغي على المسلمين دفعه وإزالته، ولو أدى ذلك إلى الاستعانة بأموال الأغنياء –وهم فئة– من أجل تحقيق مصلحة عامة لفئة المسلمين.

وأما من جهة القياس فقد أوصت الشريعة الإسلامية بوجوب البذل للمضطر كل شيء ضروري سواء أكان طعاما أم شرابا أم سكنى أم ثيابا[9]، يقول ابن العربي: “وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة فيها نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم[10].

أ. وجوب التوظيف لتمويل الاستهلاك عند الفقهاء

تناول الفقهاء مسألة التوظيف، والأسباب الداعية إليه، وقد تبين من هذه الأسباب أن منها ما يتصل مباشرة بتمويل الاستهلاك، ومنها ما يتصل به بطريق غير مباشر[11].

أما التمويل المباشر فيختص بالحالة التي يكون فيها وجود القحط والجذب أو وجود الفقراء، وأما التمويل غير المباشر فيتم عن طريق أموال ثابتة للجنود.

أولا: وجود الجذب والقحط وجود الفقراء وأثره في وجوب التوظيف

تناول الفقهاء حالة وجود القحط والجذب ووجود الفقراء واعتبروا ذلك سببا في فرض التوظيف حتى يشبع الناس حاجاتهم، ويمول استهلاكهم وذلك من باب مواساة الأغنياء للفقراء.

وقد استند الفقهاء في تقرير هذا الحق إلى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يطعم الناس عام الرمادة: “لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل  كل بيت عدتهم دقيق يقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا فعلت؛ لأن الناس لن يهلكوا على أنصاف بطونهم[12].

وهذا الرأي من عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدل على أن الأصل أن يقوم بيت المال بسد حاجات الناس وتمويل استهلاكهم مثل إطعامهم وقت المجاعة، فإذا عجز عن ذلك وظف على الأغنياء في أموالهم ما يمول به الفقراء، وقد اتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلوبا يتمثل في مقاسمة الأغنياء للفقراء على أنصاف بطونهم، ولذلك أغرم قوما دية رجل مات عطشا؛ لأنه طلب منهم من فضل مائهم فلم يعطوه حتى هلك[13].

———————————-

1. سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية “الضرائب” صلاح الدين عبد الحليم سلطان، ص: 176 الطبعة الأولى 1409هـ -1988م، هجر للطباعة والنشر.

  • الاقتصاد المالي الإٍسلامي، عبد الكريم صادق بركات، عوف محمد الكفراوي، ص: 473 مؤسسة شباب الجامعة، مصر 1984م.

2.  ناقش الفقهاء شروط التوظيف ما بين موسع ومضيق فيها، ويمكن إجمال هذه الشروط في ما يلي:

     1. وجود حاجة عامة كالحاجة إلى إنتاج السلع الضرورية من الأطعمة أو الملابس، أو حل مشكلة الإنتاج؛

     2. عدم كفاية بيت المال لهذه الحاجة؛

     3. عدم إمكانية الاستقراض؛

     4. أن تؤخذ الوظائف على قدر الحاجة..

  • انظر الاعتصام للشاطبي، ضبطه وصححه أحمد عبد الشافي، ج: 2، ص: 359 الطبعة الثانية 1411هـ-1991م.
  • سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية: صلاح الدين عبد الحليم سلطان، ص: 340-308.

3. ترجع كثيرا من جوانب الاختلاف حول التوظيف إلى الخلاف حول مسألة هل في المال حق سوى الزكاة. انظر فقه الزكاة للقرضاوي، ج: 2، ص: 992-963.

4. جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري، ج: 2، ص: 241.

5. ونشير إلى أن المفسرين اختلفوا حول الإيتاء في الآية: هل هو نفس الزكاة أم غيرها؟ كما اختلف الذين قالوا بأن الإيتاء –غير الزكاة هل هو واجب أم تطوع؟

  • راجع هذه القضايا في كتاب سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية، ص: 189-186.

6. أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة، ج: 3، ص: 326، رقم: 655 والحديث وإن كان ضعيفا إلا أن آية البر تعضده.

7. شرح القواعد الفقهية: للشيخ أحمد الزرقاء، صححه عبد الستار أبو غدة، ص: 125 الطبعة الأولى 1403هـ -1983م، دار الغرب الإسلامي.

8. شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقاء، ص: 143.

9. سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية: صلاح الدين عبد الحليم سلطان، ص: 227.

10. أحكام القرآن لابن العربي، ج: 1، ص: 60-59 ويقول أيضا: “إن الزكاة إذا أخذها الولاة، ومنعوها من مستحقيها، فبقي المحاويج فوضى، هل يتعلق إثمهم بالناس أم يكون على الوالي خاص؟ فإن علم أحد بخلة مسكين تعين عليه سدها دون غيره إلا أن يعلم بها سواه، فيتعلق الفرض بجميع من علمها” أحكام القرآن لابن العربي، ج: 1، ص: 461.

11. دواعي التوظيف عند الفقهاء هي:

  1.  حالة الجذب والقحط أو وجود الفقراء؛

  2. حالة الإعداد للجهاد في سبيل الله؛

  3.  حالة ترتيب أموال ثابتة للجنود؛

  4.  حالة الاستظهار “الادخار” بالأموال..

  • وهذه الحالات قد تضيق وقد تتسع بحسب الحاجات التي تعرض للأمة ولذلك سيقتصر كلامنا على الجوانب المتصلة بموضوع الاستهلاك.

12. الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 3، ص: 316، دار بيروت للطباعة، سنة 1978.

  • فيض القدير للمناوي، ج: 4 ص: 265.

13. الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 183.

أرسل تعليق