Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

طرق تمويل الاستهلاك في منظور الفقه الإسلامي.. (6)

14. دور الدولة في تمويل الاستهلاك، نموذج تطبيقي

بين الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤولية الدولة في ضمان حقوق الفقراء والمحتاجين والعاجزين في قوله: “من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلى الله، وربما قال فإلى الله ورسوله[1].

قال أبو عبيد: “الكل عندنا كل عيل والذرية منهم“، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم للذرية في المال حقا ضمنه لهم.

وقد جسد هذا السلوك الرعيل الأول، واعتنوا بتمويل الأساسيات التي يحتاجها الناس فهذا عمر رضي الله عنه يقول: “إني حريص ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض فإذا عجزنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف[2].

فدور الدولة يتمثل في توفير الحاجات الأساسية التي تظهر التكريم الإنساني في المنهج الإلهي.

 إنها مسؤولية كبرى تحتاج إلى من يصونها، ويوصل الحقوق إلى أصحابها؛ لأنه مسؤول أمام الله عنها، وقد شهد العهد الراشدي تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، واستفادة جميع مكونات المجتمع الإسلامي من رعاية الدولة في صيانة حقوقها.

أ. تمويل استهلاك الرضيع والطف

اعتنى الإسلام بالرضيع والطفل وجعل من مسؤولية الدولة الحرص على حمايتهم ورعاية شؤونهم؛ لأن لهم حقا في بيت المال، فقد سئل الحسين بن علي: “متى يجب سهم المولود، قال: إذا استهل”[3]. وروى عن ابن عمر قال: “كان عمر لا يفرض للمولود حتى يفطم، قال: ثم أمر مناديا فنادى: لا تعجلوا أولادكم عن الفطام؛ فإن نفرض لكل مولود في الإسلام، قال وكتب بذلك إلى الآفاق بالفرض لكل مولود في الإسلام”[4].

وروى محمد بن هلال المديني قال: “حدثني أبي عن جدتي أنها كانت تدخل على عثمان بن عفان، ففقدها يوما فقال لأهله: مالي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين ولدت الليلة غلاما، فقالت: فأرسل إلي بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية (قطعة مشقوقة من الثوب سابغة الطول) ثم قال: هذا عطاء ابنك وهذه كسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مائة”[5]. وروى عنه أيضا أن رجلا مر عليه فقال له: “كم معك من عيالك يا شيخ؟ فقال: إن معي.. فقال عثمان: قد فرضنا لك كذا وكذا وذكر شيئا لا أحفظه ولعيالك مائة مائة”[6].

وهذا المنهج هو الذي سار عليه الإمام علي فقد روى عــن رجــل مــن خثعــم، قال: “ولد لي ولد فأتيت عليا، فأثبته في مائة”[7].

وهذه الرعاية لا تمتد إلى من ولد على فراش الزوجية فقط، بل يستفيد منها اللقيط والمنبوذ فعن تميم بن مسيح قال: “أتيت عليا بمنبوذ فأثبته في مائة”[8].

فهذا التكريم للمولود في الإسلام يعتبر بمثابة قانون التعويض العائلي التي تفخر به الآن الدول المتقدمة، بينما نجد الإسلام قد دعا إليه وأخذ به منذ أمد بعيد.

ب. تمويل استهلاك العاجزين

والعجز قد يكون لمرض أو كبر أو يتم أو ترمل، وقد اعتنت الدولة في الإسلام بتمويل استهلاك هؤلاء، واعتبرت أن من مسؤولياتها القيام بحاجاتهم الأساسية ما داموا تحت حمايتها ولو  كانوا من أهل الذمة، فقد جاء في كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: “أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا (استكبارا) وخسرانا مبينا، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم وبين عمارة الأرض؛ فإن في ذلك صلاحا لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم، وانظر قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه  أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، قال ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه[9].

وثبت في صحيح البخاري أن عمر قال: “لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا”[10].

فقول عمر ابن الخطاب يؤكد الدور التمويلي الذي ينبغي أن تقوم به الدولة لتأمين استهلاك هؤلاء الضعفاء[11].

وقد نص الفقهاء على بيت مال الخاص بالضوائع وهي الأموال التي لا مالك لها والتركات التي لا وارث لها يصرف للفقراء، فقد جاء في البدائع للكاساني ما يشير إلى وجوب صرف هذا المال في تأمين الدواء للفقراء والمرضى وعلاجهم وأكفان الموتى الذين لا مال لهم.. ونحو ذلك وعلى الإمام أن يصرف هذه الحقوق إلى مستحقيها[12].

ولا يقتصر الصرف للفقراء وللعاجزين على إعطاء المال نقدا، بل يجوز إنشاء بيوت وملاجئ لرعاية وإطعام وكسوة هؤلاء[13].

يتبع في العدد المقبل..

——————————————-

1. الأموال، لأبي عبيد، ص: 243.

2. تاريخ عمر بن الخطاب، لأبي الفرج بن الجوزي، ص: 101.

3. الأموال، لأبي عبيد، ص: 243.

4. نفس المرجع.

5. نفس المرجع.

6. الأموال، لأبي عبيد، ص: 243.

7. نفس المرجع، ص: 244.

8. نفس المرجع.

9. نفس المرجع، ص: 55.

10. البخاري بحاشية السندي، ج: 2، ص: 298 باب مناقب عثمان.

11. وقد روي عن علي بن أبي طالب قوله لواليه على مصر “ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمني.. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له”.

  • نهج البلاغة، الشريف الراضي، ج: 3، ص: 100.

12. الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي: محمد فاروق النبهان، ص: 386.

  • تنظيم الإسلام للمجتمع للشيخ أبي زهرة، ص: 152 دار الفكر العربي، القاهرة، 1965.

13. المجتمع المتكافل في الإسلام عبد العزيز الخياط، ص: 219.

أرسل تعليق