Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

أثر الثواب والعقاب في توجيه الاستهلاك..(2)

قد تولى القرآن إرشاد الأمة وتربيتها وصحح كثيرا من المفاهيم التي تناولت موضوع أثر الثواب والعقاب في توجيه الاستهلاك ومنها على سبيل المثال:

• أن التفضيل الدنيوي ليس مقياسا للتفضيل الأخروي، بل ينبغي على الناس أن يسعوا إلى طلب هذا الثواب الأخروي لا فرق بين غني وفقير “انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاَخرة أكبر درجاتٍ وأكبر تفضيلا” [الاِسراء، 21]. فمفهوم العائد ليس هو الجانب المادي، ولكن العائد الحقيقي هو العائد الأخروي؛

• ارتباط الثواب والعقاب بالمقاصد الدينية، فمن غلبت عليه المقاصد الدينية أثمرت عائدا ماديا ومعنويا، ومن غلبت عليه المقاصد الدنيوية بقي سجين العوائد المادية ولم تكن له عوائد معنوية. “من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن اَراد الاَخرة وسعى لها سعيها وهو مُومن فأولئك كان سعيهم مشكورا” [الاِسراء، 18-19]؛

• فمن حصـر همتــه في العاجلــة نــال ثوابــها كعائــد مادي “وما له في الاَخرة من نصيب” [الشورى، 18]، ومن التفت إلى الأبعاد الحقيقية للعائد، تجاوز ببصيرته الأفق المادي، وكان ذلك سببا في استثمار هذا العائد والانتفاع به دنيا وأخرى “من كان يريد حرث الاَخرة نزد له في حرثه” [الشورى، 18]. ولذلك أرشد القرآن الناس إلى تحرير مقاصدهم والتطلع إلى الجزاء الحقيقي، “من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاَخرة” [النساء، 133]؛

• أن الثواب والعقاب لا ينحصر في بعد واحد، بل يجمع بين البعد المادي الدنيوي وبين البعد الأخروي، ولذلك فمفهوم العائد أو الربح يختلف في نظر المومن، فليس الربا كالزكاة  في ميزان الله “وما ءَاتيتم من رباً لتُربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما ءَاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المُضْعِفون” [الروم، 38]، “يمحـق الله الربا ويربي الصدقات” [البقرة، 257]، وفي الحديث “ما نقصت صدقة من مال وما زاد عبد بعفوه إلا عزا ومن تواضع لله رفعه[1]؛

• فالزكاة زيادة في مال صاحبها وفي ثوابه عند الله رغم ما يبدو من نقصان ظاهر، والربا نقصان في ثواب صاحبه عند الله رغم ما يبدو من زيادة ظاهرة، فمال المزكي يزكو بالبركة، ومال المرابي يمحق؛

• إن الثواب والعقاب كموجه للسلوك الاقتصادي لا يقتصر دوره على توجيه سلوك المسلم في الإنتاج والتداول والتوزيع، بل يشمل برقابته الاستهلاك.

وقد سلك الإسلام في ربط الثواب والعقاب بالاستهلاك أسلوبا تربويا[2]، يتمثل في تنبيه الناس إلى وجوب الاعتدال والابتعاد عن الترف والتنعم. فالقرآن جعل الترف صفة من صفات أهل النار “وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم” [الواقعة، 43-49].

والترف سبب يوجب غضب الله وسخطه وعذابه الأليم، ولذلك من خشي الله وخاف عقابه ورجا جنته ابتعد عن هذا الأسلوب في العيش الذي يجعل صاحبه يلهث وراء شهواته، فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى وجوب الابتعاد عن مظاهر الترف، كاتخاذ أواني الذهب والفضة، ومفارش الحرير الخالص، وتوعد من سلك هذا السبيل بالوعيد الشديد ففي الحديث “إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه[3]. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: “إن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة[4].

فعلة التحريم هي السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء[5]؛ ولأن الترف سبب للبطر ومدعاة للتنعم، “ومن سلك هذا السبيل لا يمكنه الصبر عنه، فيجره  ذلك إلى المعاصي وهي مهلكة للفرد والأمة[6]، “وكم اَهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا” [القصص، 58]. “وإذا أردنا أن نهلك قرية اَمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا” [الاَحزاب، 62].

فالترف عنوان على الكفر بنعم الله؛ لأن المترف ينغمس في شهواته وملذاته، وينسى ربه فلا يشتغل إلا بنفسه ولا يتبع إلا هواه، وينسى حق الله في ماله فلا يشكره. وقد جعل الله من سننه الكونية أن الترف إذا فشا في قوم وتمكن منهم كانت عاقبتهم التدمير والخراب وسوء المنقلب، وهذا ما قصه علينا القرآن في قصة سبأ الذين بطروا النعمة التي وهبهم الله فكانت عاقبتهم بإرسال السيل والتفرق في البلاد[7]، “لقد كان لسبإ في مساكنهم ءَاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العَرِمِ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأَثْلٍ وشيء من سد ر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يُجزى إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قُرىً ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما امنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك ءَلاياتٍ لكل صبار شكور” [سبأ، 15-19].

إن السلوك الاستهلاكي إذا حاد عن الاعتدال وتطرف أصحابه في التنعم والالتذاذ والتمتع بطيبات الحياة، وتركوا شكر النعم، كان ذلك سببا في هلاكهم وحرمانهم من نعمة الطمأنينة ورغد العيش.”وضرب الله مثلا قرية كانت امنة مطمئنة ياتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لبـاس الجوع والخــوف بما كانــوا يصنعــون” [النحل، 112]، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفقه هذه المعادلة القرآنية ويقتصد في عيشه مراعيا لقاعدة الثواب والعقاب؛ لأن الزيادة في التمتع بخيرات الدنيا نقصان من خيرات الآخرة، وفي هذا الباب يروي الأخفش بن قيس[8]، قال: “خرجنا مع أبي موسى وفودا إلى عمر، وكانت لعمر ثلاث خبزات بأدمهن يوما بلبن، ويوما بسمن، ويوما بلحم غريض، ويوما بزيت، فجعل القوم يأكلون ويعذرون”[9]، فقال عمر: “إني لأرى تعذركم، وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كراكر[10]، وأسنمة[11]، وصلاء[12]، وصنابا[13]، وصلائق[14]، ولكن أستبقى حسناتي، إن الله عز وجل ذكر قوما فقال: “أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها“.

وفي رواية أخرى يقول عمر رضي الله عنه: “والله ما نعجز عن ملذات الدنيا أن نأمر بصغار الماعز فتسمط لنا.. وأن نأمر بلبان القمح فيخبز لنا.. وبالزبيب فينبذ لنا، فنأكل هذا ونشرب هذا.. ولكنا نريد أن نستبقى طيباتنا؛ لأنا سمعنا الله يقول في قوم فعلوا مثل ذلك[15]، “ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون” [الاَحقاف، 19].

إن الترف مؤشر على وجود خلل في السلوك الاستهلاكي، فهو يؤدي إلى تبديد الموارد، وإضاعة المال، وحرمان الغير من المشاركة في ثماره، ولذلك استحق المترف عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة، فقد قص علينا القرآن في سورة القصص قصة هارون: “إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وءَاتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما ءَاتاك الله الدار الاَخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الاَرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم اَنَّ الله قد اَهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة يا ليت لنا مثلما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن امن وعمل صالحا ولا يُلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الاَرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين” [القصص، 75-81].

إنه نموذج الإنسان الذي أفسده الثراء والاغترار بالمال والتعلق به بفرح وبطر حيث ينسى المنعم بالمال، ويتطاول به على العباد، ويحرم الفقراء منه، وينغمس في حياة الترف ويبتعد عن منهج الاعتدال ” وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا”.

يتبع في العدد المقبل بحول الله تعالى..

——————————————-

1. رواه مسلم وأحمد والترمذي، الجامع الصغير، ج: 2، ص: 153.

2. سنتعرض للكلام عن الاستهلاك والتربية، في أبعاده الفردية والجماعية والاقتصادية والاجتماعية، وتحليل السلوك الاقتصادي من هذه الوجهة عند كلامنا عن الضوابط الأخلاقية للاستهلاك.

3. متفق عليه، انظر رياض الصالحين للنووي، ص: 252.

4. رواه البخاري، باب الأكل في إناء مفضض، البخاري بحاشية السندي، ج: 3، ص: 298.

5. المغني، ج: 8، ص: 323.

6. البركة في فضل السعي والحركة، محمد بن عبد الرحمان الحبشي، ص: 48.

7. انظر القصة في تفسير ابن كثير، ج: 3، ص: 534-531.

8. راجع القصة في كتاب إصلاح المال لأبي بكر بن أبي الدنيا، تحقيق مصطفى مفلح القضاة، ص: 313 الطبعة الأولى، 1410 هـ/1990م، دار الوفاء، مصر.

9. يعذرون: أي يقصرون في الأكل ليتوفر على الباقين.

10. كراكر: جمع كركرة، وهي زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض وهي ناتئة من جسمه كالقرصة وهي من أطيب ما يأكل من الإبل.

11. أسنمة: جمع سنام، وهو ما ارتفع من ظهر الإبل.

12. الصلاء: الشواء.

13. الصناب: الخردل المعمول بالزيت.

14. الصلائق: الرقاق، م: حليقة، وقيل هي الحملان المشوية.

15. تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي، ص:121 الطبعة الأولى، 1405 هـ/1985م، دار الرائد العربي، لبنان.

أرسل تعليق