Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

منية (ميمونة تاكنوت) الولية الصالحة

مند بزوغ فجر الإسلام عملت المرأة المسلمة على تكريس جهودها من أجل نهضة هذا الدين الإسلامي وسموه ورفعته وتحقيق أهدافه ومقاصده الواسعة النطاق سواء على المستوى التربوي والعلمي والفكري.. فأصبحت المرأة بذلك قدوة ونبراسا يحتذى بها في البدل والعطاء من أجل رفعة المجتمع وتقدمه؛ ولم يقتصر دور المرأة المسلمة في المساهمة في تحقيق هذا المقاصد فحسب بل عملت كذلك على  بلورة هذه النهضة بكل حمولتها العلمية والفكرية.. وخير أنموذج مثالي أقدمه لك أيها القارئ الكريم الولية الصالحة العالمة السيدة منية بنت ميمون الدكالي الملقبة بتاكنوت[1] أبرز متصوفات المغرب في العهد الموحدي..

يذكر صاحب كتاب الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام الشيخ الفقيه القاضي العباس بن إبراهيم السملالي المغربي المالكي “أن السيدة مينة بنت ميمون الدكالي مشهورة عند العامة بميمونة تاكنوت أصلها من مكناس ونزلت في الجانب الشرقي من مراكش[2] وأصلها من مكناس ونزلت في الجانب الشرقي من مراكش..[3].

منية (ميمونة تاكنوت) الولية الصالحة

عرفت هذه السيدة الجليلة بالزهد والتقوى والورع ومحبة الله عز وجل ومحبة رسوله الكريم، والفناء في ذكره تعقد حلقات الذكر والصلاة على النبي.. والدعاء للجميع كما أنها تحب الخير للناس، وتعتني بحالهم وتعمل جاهدة من أجل نشر العلم وتوعية محيطها الاجتماعي بمختلف العلوم التي تلقتها من علماء عصرها، وهي بذلك تعتبر من بين النساء الرائدات اللواتي شهد لهن بالصلاح والعمل المتواصل من أجل المساهمة في الحياة الصوفية وتربية الناس على ذكر الله، وعبادته حق عبادة..

يذكر لنا ابن الزيات كذلك في التشوف رواية عن أبي العباس احمد بن إبراهيم الأزدي البسطي وهو يتحدث عن حال عالمتنا الجليلة منية بنت ميمون الدكالي قائلا: “مشيت إلى رباط شاكر فوجدت فيه منية فقالت لي ما رأيت هذا المكان قبل هذه المرة ولقد تمنيتك فيه (…) وحدثني أبو عبد الله محمد بن خالص الأنصاري قال: رأيت منية في رباط شاكر صليت بها في جماعة من المريدين وانصرفت عنهم فاخبرني بعض من تحدثت معها من المريدين أنها قالت: حضر هذا العام بهذا الرباط ألف امرأة من الأولياء(…) حدثني محمد بن يحيى بهذه القصة فلقيت عيسى بن موسى فسألته هل شاهد النور يدخل عليهم من الطاقة في مصرته منية إذ كان يصلي بها وبعلي العربي فقال لي: رأيت والله النور داخلا من الطاق ومن خلفي وأنا انظر إليه إلى أن انحرفت عن القبلة.

مـن رأى البرق بِنَجْدٍ إذ تـراءى         سلب النـــــوم وأهدى البُرَحَاءَ

فـاض فيها كجُــــفونِي مـَـــاؤُهُ         والْتظَى وهنا كانفاس التِـــظَاءَ

قام سُمَّارُ الدُّجى عن سَاهِــرٍ         تَخـِذَ الـــهَمَّ سمــــيراٍ والبـُـكَاءَ

أسْهَـــــرَتْهُ دمـــعةٌ تفــــضحـه         وإذا مـــا أحـــسن الدَّمعُ أساء

يا خَلِيليَّ ولــــم أشــــعركــما         بالهـــوى حتـــى تَبَيَّنْتُ الإخاء

علِّلا قلبــــي بــــذكرى قاتلـي         رُبَّ داءٍ قــاد للنفـــــس دواءَ[4]

ومن كرامتها يضيف ابن الزيات رواية أخرى عن محمد بن يحيى أنه قال: “كانت منية تحدثني قالت: دعاني رجل من التجار إلى طعام فأجبته كارهة، فلما قدمت القصعة بالطعام كلمني الطعام وقال لي: لا تأكلني فإني حرام فاستجبت من صاحبه ورفعت بضعة من لحم إلى فمي ثم وضعتها فحرمت أورادي والنوافل ثلاثة أيام، والهواتف تهتف عن يميني وعن شمالي: هكذا يفعل بالكلاب على بطونهم يهجرون.

قالت وصليت الضحى يوما إلى أن رأيت الحصير الذي أصلي عليه كأنه يرفعه شيء من تحته فقلت في نفسي لعله دخل تحته حيوان، فلما سلمت رفعته فإذا تحته دارهم طرية، فخررت ساجدة ابكي وأقول: أنت مطلوبي لا سواك فأقلني فعاد الحصير على الأرض كما كان، فرفعته فلم أجد تحته شيئا[5].

وهكذا وفي ضوء هذه الروايات التاريخية التي تُتلج الصدر، وتحن إليها الأشواق يتبين بجلاء أن هذه السيدة الحكيمة هي امرأة عرفت بالزهد وبحنكتها القوية، وبصيرتها النورانية، وقلبها الطاهر، وعقلها الراجح ومكانتها الفريدة، فهي لم تتحقق بهذه المعاني الجياشة، والكرامات الفياضة التي تصقل والقلوب، وتجعلها متعلقة بالله تعالى فانية في ذكره إلا بقوة تشبتها بمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، والتزامها الصادق بتعاليمها وتوجيها تها الربانية الحكيمة فنالت أعلى المراتب..

توفيت عالمتنا الجليلة بالجانب الشرقي من مراكش (عام 595هـ) ودفنت خارج باب الدباغين[6]. يذكر ابن الزيات في التشوف انه زارها ورآها عجوزا قد اسودت من الاجتهاد ولصق جلدها بعظمها.

ومـا أبقى الهوى والشوقُ مني      سوى نفـس تردد فــي خـَـــيَالِ

خَفِيـْـتُ عن المـــنية أن تـــرني      كان الروح منــــي في مـجال[7].

ويضيف ابن الزيات سمعت محمد بن يحيى بن علي يقول: “زرت قبر منية فقعدت عنده فرأيته يخرج منه شيئا كبخار القدر، ثم رأيت كعمود من نور يخرج من قبرها إلى السماء حتى غلب علي شعاع الشمس”[8].

رحم الله عالمتنا الجلية وأسكنها الله فسيح الجنان آمين والحمد لله رب العالمين..

—————————————-

1. معنى تاكنوت التي لا تبين في كلامها وأكناو الذي من بلد غانا.

2. الإعلام بمن حل بمراكش وأغمت من الأعلام، الشيخ الفقيه القاضي العباس بن إبراهيم السملالي المغربي المالكي 7/332 ترجمة 1033.

3. التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي لأبي يعقوب يوسف بن يحيى التادلي تحقيق أحمد التوفيق الطبعة الأولى 1984منشورات كلية الأدب بالر باط، ص: 316.

4. نفس المصدر، ص: 317.

5. نفس المصدر، ص: 318.

6. الأعلام بمن حل بمراكش وأغمت من الأعلام، الشيخ الفقيه القاضي العباس بن إبراهيم السملالي المغربي المالكي 7/332 ترجمة 1033.

7. التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي لأبي يعقوب يوسف بن يحيى التادلي تحقيق أحمد التوفيق الطبعة الأولى  1984 منشورات كلية الأدب بالرباط، ص: 316.

8. نفس المصدر، ص: 317.

أرسل تعليق