Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

تنامي حركات التطرف الديني والطائفي في المنطقة، جرد أولي للأسباب، ومقترحات للتجاوز.. (7)

تنضاف إلى الحقائق السالفة الذكر، حقيقة أخرى بارزة، وهي أنه قد بات من المسلّم به اليوم، أن شبيبتنا –وكما تمت إليه الإشارة آنفا- منغرسة تمام الانغراس في الوسائل الحديثة لإنتاج، ونشر، وتلقِّي المعرفة، كما أضحى جلياً أن التربية والتكوين في سياقنا المعاصر، لا يمكن الاضطلاع بهما في منأى عن الوسائل الرقمية والإلكترونية الحديثة، مما يرقى بهذه الوسائل، لأن تصبح شرطاً واقعياً من شروط التقريب العملي، يستلزم إعماله في مجالنا التربوي، اتخاذ ستة تدابير جوهرية:

أولها: اعتبار أن المتلقّين للمعرفة بهذا الصنف من الوسائل لا يمكن التعامل معهم تربوياً، كما لو كانوا رُكّاب قطار تُعرف محطة انطلاقه ومحطة وصوله، وكذا المحطات الفاصلة بينهما، وإنما وجب التعامل معهم كما لو كانوا رواد فضاء، يلزم تأهيلهم لريادته، وتزويدُهم بكل الكفاءات والمهارات التي تمكّنهم من إنجاز مهامهم بنجاعة ونجاح، فتلقي المعارف من «النّت» أشبه بالتبضع من قارة سوبرماركتية يتعرض فيها للتيه كل متبضع غير مزوّد بالخرائط الدقيقة، والمقاصد الواضحة، والضبط الزمني المقدور، والإرادة القوية، فكم من ذئب معرفي وأخلاقي وتصوري يتربص الدوائر من الضفة الأخرى للشاشة، وكم من ثقب معرفي أسود يفغر هناك فاه لالتقام الطاقات والأعمار والمقدرات، والزج بشبيبتنا في أتون التطرف والطائفية؛

ثانيها: ضرورة المرافقة التكوينية والديداكتيكية والتواصلية للمؤطرين والفاعلين التربويين بمختلف مواقعهم، لتمكينهم من مواكبة المتلقّين، والاستجابة الإيجابية للتنافسية العالية الموجودة على «النت» بهذا الصدد، قصد الإعمال الراشد لهذا المظهر من مظاهر التقريب العملية؛

ثالثها: إعداد المضامين التي يُراعى فيها كُل من البُعد الوظِيفي والقصدي لمعالجة الآفات سالفة الذكر، وتكييفها بحيث يتَجَلَّى فِيهَا التَّقْرِيبُ الفحوي للوسطية والجمالية والاعتدال، تقريب يُمكّن من التفهّم والإعمال، كما ينبغي أن تتجلّى في هذه المضامين القابلية للسكب في آليات وأدوات التقريب العملي الحديثة، ولا يخفى أن لذلك مقتضيات ديداكتيكية لابدّ من إعداد العدّة اللازمة، تشريعيا، وتنظيميا وبشريا لمراعاتها؛

رابعها: الإعداد اللوجستيكي المتدرج، للتعميم الممنهج لما سبق في مجموع مدارسنا ومعاهدنا مع تحديد أسْقُفٍ زمنية معقولة لذلك؛

خامسها، وهو بيت القصيد: مراعاة حقيقة أن جوهر التنافسية اليوم بين المعروضات العلمية في الشبكة العنكبوتية، هو جودة وبساطة وجاذبية المعروض، وقابليته للاستبانة والفهم في وقت وجيز، وإلا تم عنه الالتفات إلى غيره، مما يستلزم الممارسة التقريبية التنافسية بامتياز، في ارتكاز على المضامين الوظيفية النافعة والناجعة والموثوقة التي مرَّ ذكرها في التدبير الثالث؛

سادسها: أن يواكَب كل ذلك بالإجراءات التقويمية الممكّنة من قياس نجاعة تنزيل هذه المضامين الاعتدالية المتوسلة بالتقريب العملي، وهو قياس سوف يمكّن بالتبع من إدخال التعديلات والاستدراكات اللازمة لتحسينه.

وهذا يستلزم لاشك، مراجعة انساقنا المدرسية، والتشريعية والتنظيمية واللوجستيكية، في ضوء استدماج المقاربة التقريبية بهذا المعنى المُوسَّع، أخذاً بعين الاعتبار لكافة التدابير والسمات والمعطيات سالفة الذكر، حتّى لا تبقى الممارسة التقريبية مجرد شعار، وإنّما تصبح واقعاً يسري في منظوماتنا التربوية، كما يسري الماء في العود الأخضر، في أفق استدراك هذه التفاوتات الواقعة في منطقتنا، وإطفاء الحرائق التي تثبّت فيها.

الخاتمة:

لا شك أن وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات ومراكز الدراسات والأبحاث، كلها مدعوة للانخراط الجادّ والمثابر في الأوراش سالفة الذكر، كما أن الساسة والمشرّعين، وأهل المسؤوليات المختلفة في أوطاننا، مدعوون لبذل ما يلزم من جهد لتبني هموم الناس وتخفيف معاناتهم، وتمكينهم من مقدراتهم، وإغماد سيف الظلم ونير القهر من فوق رقابهم، وإزالة الفقر ودعم التلاحم والتراحم بين أبناء هذه الشعوب من أجل الاضطلاع بالتجاوز المنشود لآفة التطرف والطائفية الضاربة.

والله المستعـــان.

الوسوم

أرسل تعليق