Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوبخير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب

في هذه الحكمة المباركة ينبه الشيخ بن عطاء الله السكندري رحمه الله، إلى ثلاثة أمور عظيمة..

      أولها: أن ابن آدم كائن نسبي يكتمل بناؤه عبر الزمن، وأنه عبارة عن ورش مفتوح، وجب عليه الاجتهاد فيه تكميلا وإتماما ما حيي، وهو قوله تعالى: “كلا لا تطعه واسجد واقترب”، [سورة العلق، الآية:18]، وهو سجود عُبِّر به عن مختلف أضرب الطاعة لكونه أكملها وأعلاها، لقوله صلى الله عليه وسلم: “أقرب ما يكون العبد إلى ربّه وهو ساجد” [أخرجه مسلم، رقم 482]، وهذا الاقتراب المعبر عنه في الآية، ليس له منتهى مشمول بالحياة الدنيا، مهما امتدت، وهو قوله سبحانه: “وأن إلى ربك المنتهى” [سورة النجم، الآية:42]. ولذلك فرب العزة يقول: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” [سورة الحجر، الآية:99]، فقول الشيخ رحمه الله “تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب” فيه إشارة جلية، إلى أن العيوب، جلّت أم دقّت، لا تزال مستبطنة في ابن آدم مستوجبة معالجته إياها ما حيي.

      وثانيها: أن السالك إلى الله عز وجل، وجب أن تنفتح في باطنه عين يبصر بها عيوب نفسه، وهناك معنى زائد في قول الشيخ رحمه الله “تشوفك”، مفاده أن إبصار السالك لعيوب نفسه وجب أن يكون توقا وشوقا، إذ التشوف لا يكون إلا لما تاق واشتاق إليه المرء، وهو ما لا يمكن ان يكون إلا إذا وجدت جملة شروط:

      الأول: أن ينقدح في السالك زند الإرادة المتضمنة في قوله تعالى: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا” [سورة الكهف، الآية: 28].

      الثاني: أن تنمو في فؤاده بذرة محبة الله المنهضة إلى تطهير، وتجميل، وتحسين، وتكميل موقع نظر الرب المحبوب، والذي هو الباطن والفؤاد.. لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم” [أخرجه مسلم في صحيحه، رقم 2564].

      الثالث: أن تكون للسالك وحدة قياسية تجسد أمامه تبلور الكمال عبر مدارجه، من خلال صحبة من يُنهض حاله، ممن عرف نبيه ولم ينكره وتجانف عن حال “أم لم يعرفوا نبيهم فهم له منكرون” [سورة المومنون، الآية: 69]، إذ صحبة من شمّر ليكون على قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم حلية، واتصافا، يجسّر بين المعرفة النظرية بكمالات وجمالات نبي الختم عليه الصلاة والسلام، وبين المعرفة العملية به، اتباعا له صلى الله عليه وسلم “قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني”، [سورة يوسف، الآية: 108].

      كما أن هذه الصحبة تُمكِّن من إبصار ما وجب أن يُتدارك من هذه العيوب، في أضواء كمالات المصحوب، المستمدة من مشكاة من قال الله عز وجل في حقه “وإنك لعلى خلق عظيم” [سورة القلم، الآية: 4].

      الشرط الرابع: أن يُعجَن سلوك السالك بوعي عميق وبصيرة متجذرة بسرعة تصرم الحياة الدنيا مزرعة الآخرة، حتى يَعْرُم التشوف إلى وجوب سرعة إبصار هذه العيوب لاستدراكها قبل فوات الأوان.

وثالث الأمور العظيمة المتضمنة في هذه الحكمة المباركة، أن السالك إلى الله تعالى قد ينشأ في نفسه ولع بالمشاهدات، والكرامات، مما يسرّ ولا ينبغي أن يغرّ، فيحجبه ذلك عن حقيقة السلوك الذي هو السير إلى الله عز وجل، بالتشمير عبر مختلف منازل هذا السير ومدارجه، وفي هذا التفضيل الصريح الذي فضل به الشيخ رحمه الله التشوف إلى ما بطن من العيوب، على التشوف إلى ما حُجب من الغيوب، تنبيه أيما تنبيه إلى وجوب عدم الانشغال بالتشوف إلى المشاهدات والكرامات والأحوال والواردات، عن السير الذي لا سبيل إليه إلا عبر قوله تعالى: “قد أفلح من زكّاها” [سورة الشمس، الآية: 9]. كما أن قول الشيخ رحمه الله “ما حُجب عنك من الغيوب” متضمن بوجه، ما حجب من عيوب الآخرين، والتي يمثّل الانشغال بها مهلكة محققة، ومجلبة للضرر مستيقنة.

 

 

الأمين العام

للرابطة المحمدية للعلماء

أرسل تعليق