Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

المقاصد ومقتضيات الاجتهاد والتجديد

تعد مقاصد الشريعة مكونا من مكونات الخطاب التشريعي منذ نزوله، وعنصرا أساسيا في تنزيله، وآلية داخلية لتفعيله، ومقرراتها إحدى الركائز الأساسية التي يبنى عليها الاجتهاد؛ إذ تشكل إطارا شرعيا مرجعيا، وفق منهجية استدلالية منضبطة، وبحسب معطيات يتداخل فيها النقلي، والعقلي، والواقعي.

وقد شكلت مقاصد الشريعة الإسلامية كسبا معرفيا معتبرا، ودافعا معنويا، أسهم في إبراز واقعية وعالمية ورحمة الدين الخاتم، على تغير الأزمنة، والأمكنة، والوقائع، والمستجدات، والسياقات.. والدارس لكرونولوجيا هذا العلم الجليل، يجد المدونات الفقهية والأصولية في المذاهب الإسلامية المختلفة، وفي مقدمتها مذهب إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، رحمه الله، تحفل بألفاظ علمية من قبيل “حكمة التشريع“، و “علل الشرائع“، و “مقاصد التشريع“، و “مآخذ الشرائع“، و “أسرار التشريع“، و “مدارك الأحكام“، وغيرها من المركبات المفاهيمية التي تتحرك بوظيفية في التراث الأصولي، وكتب النوازل، وكتب السياسة الشرعية، متصلة حينا، ومنفصلة حينا آخر، ومترادفة في بعض الأحايين، في قواعد معلومة، مثل قاعدة الاستحسان، والقياس، والاستصحاب، والعرف، ومراعاة الخلاف، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع وفتحها، واعتبار المآل.. وهي ألفاظ / أصول منطلقها الأساس مراعاة قصد الشارع، واستحضاره في معاني ومباني الخطاب التشريعي في الإسلام.

وإن الناظر فيما كتب من مؤلفات وموسوعات مباركة، وما أنجز من دراسات وأبحاث طيبة في مقاصد الشريعة، يلحظ تراكما في التأصيل، وأحيانا في التنزيل على قضايا محددة.. فمنذ القرن الأول الهجري تعددت انشغالات العلماء بالفكر المقاصدي، وتوسعت أنظارهم فيه، وهو ما نجده ماثلا في تراث الرواد الأوائل أمثال الإمام الترمذي الحكيم (توفي 320ﻫ)، والإمام القفال الشاشي الكبير (توفي 365ﻫ)، والإمام الأبهري (توفي 375ﻫ)، والإمام العامري (381ﻫ)، والإمام الباقلاني (توفي 403ﻫ)، وإمام الحرمين الجويني (توفي 478ﻫ)، والإمام الغزالي (توفي 505ﻫ)، والعز بن عبد السلام (توفي 660ﻫ)، وأبو إسحاق الشاطبي المالكي (توفي 790ﻫ).. وصولا إلى جيل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى اليوم (الأستاذ علال الفاسي، والشيخ الطاهر ابن عاشور، والشيخ عبد الله دراز..) الذي دشن رجاله مرحلة جديدة في تقريب مقررات المقاصد من التداول العام، ومحاولة الكشف عن إمكاناتها التنزيلية والاجتهادية.

وبالإضافة إلى أهميتها العلمية، والمعرفية، ركز التداول المعاصر حول استثمار مقاصد الشريعة كثيرا على المزاوجة بين النص والسياق، وبين الأحكام ومناطاتها، مع الحرص على توظيف نظرية المقاصد في صلتها القوية بمبدأ المصلحة، كما رام هذا التداول مد الجسور بين الإسلام والقيم الكونية ذات الصلة، وبوجه خاص، بمنظومة حقوق الإنسان، وقضايا التنمية الشاملة والمستدامة، ومختلف الأنساق الفكرية، والثقافية الكونية ذات الحضور القانوني التداولي في عالم اليوم وذلك؛ لأن عدم استحضار هذا المعطيات والتجانف عنها، من شأنه أن يدلف بمنظومتنا الفكرية والشرعية إلى هوامش الفعل الحضاري، وليس كعلم المقاصد وسيلة للنظر الراشد والمتزن في هذه المعطيات الحضارية الحارقة، وفي مدى تلاؤمها مع نسيجها التشريعي والأحكامي، ومواءمتها لأسيقتنا الحضارية، والاجتماعية، والثقافية المستقبِلة.

ولا يخفى أن إناطة الأحكام بمقاصد الشريعة ودورانها معها وجودا وعدما، تكسب الفقه الإسلامي مرونة وقدرة على استيعاب تغير الأحوال وتبدل الأعصار، وتيسّر بناء نظر اجتهادي مستأنف، يستجيب لواجب التجديد في منظوماتنا الفكرية والعلمية، في تفاعل إيجابي مع مختلف المستجدات التي اصطبغ بها عالمنا المعاصر، في تعاقداته الاقتصادية، والمالية، والقانونية، وعلاقاته السياسية، والاجتماعية، والثقافية، وأنظمته المؤسساتية، والتكنولوجية، والتواصلية.

ذلك لأن من أبرز ميزات الفكر المقاصدي، كونه فكراً كليا، واقعيا، مرنا، وظيفيا، استشرافيا، يأبى الانحسار في ظواهر الأدلة الجزئية، دون وصلها مع الأدلة الكلية؛ في حرص على المواءمة باتساق وتواشج، بين روح ومقتضيات الدليل الكلي أو الأصلي، وإمكانات الدليل الجزئي أو الفرعي.

وجليّ أن الحرص على التواشج العلمي والعملي بين الفهم والتنزيل في هذا الجانب، يمكن أن يسهم في اختراع مفهوم دينامي ووظيفي لمقررات مقاصد الشريعة، ويسهّل عمليات التنزيل على أرض الواقع، في مراعاة لكافة مقتضيات السياق.

انطلاقا من هذه الرؤية التي تسعى إلى ضرورة الاستدعاء الواسع للمقاصد في محال الاجتهاد، تستكمل “الإحياء” في هذا الملف النظر والتطارح، حول مجالات التفعيل والتوظيف لمنظومة مقاصد الشريعة في مجال مرامي التشريع، وتنزيل الأحكام، وما يستلزمه ذلك، من وضع للضوابط والمعايير، الحاكمة للعملية الاجتهادية؛ استقراء، واستنباطا، وتفسيرا، وتأويلا، وتكييفا، وتعليلا، وتوظيفا..

وقد حرصنا في ملف هذا العدد، أن نجمع، بين الطرح المتصل بتاريخ الفكر المقاصدي من خلال النظر ابتداء في تراثنا الفقهي، كما تشكل قبل المرحلة الشاطبية، باعتبارها مرحلة بارزة من مراحل نضج وتأسيس هذا العلم، من الوجهة التقعيدية، والمنهاجية، وكذا النظرية؛ شافعين أثناء هذا الضرب الأول من النظر برصد أبرز الاتجاهات الحديثة والمعاصرة في مجال الدراسات المقاصدية.

ونظرا لأهمية اللغة في تشكيل البنية الدلالية للنص القرآني بوجه خاص، والنص الديني بوجه عام، فقد اهتم هذا الملف بالتطرق إلى أهمية البعد اللغوي في مقاصد الشريعة الإسلامية، في صلته القوية؛ بمقاصد التفسير والنقد التفسيري..

لنصل انتهاءً إلى مرحلة بلورة اجتهادات تبحث في إشكال التقصيد الكلي بين النص والفقه والواقع، والنظر في مسألة إعمال المقاصد في الاجتهاد، من خلال إبراز مختلف مجالاته وتحديد أهم ضوابطه، دون غفلة عن الاستحسان وأهميته في تفعيل الاجتهاد المقاصدي.. ولا إهمال لضرورة تمحيص الخلفيات الفلسفية والأصولية لمفهوم “الحق الطبيعي“، في صلته بمقاصد الشريعة الإسلامية..

أتمنى لقراء الإحياء الأعزاء إبحارا علميا في لباب وعباب هذا العدد المزدوج.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

الأمين العام

                                                                                                               للرابطة المحمدية للعلماء

أرسل تعليق