Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

التربية المثالية في الإسلام

الغاية التي يهدف إليها الإسلام هي إقامة نظام مثالي يفضي إلى تحقيق السعادتين الدنيوية والأخروية للإنسان، ولأجل ذلك شرع عدة تشريعات من شأنها أن تصل بالإنسان -إذا هو طبقها- إلى الغايات السعيدة التي ظل يطمح إليها منذ عرف طرق التفكير. فقد سن قواعد وأسسا لتنظيم العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، كما سن قواعد ومناهج لتنظيم علاقات الإنسان مع ربه، وهذه الأخيرة هي التي يعتمد عليها الإسلام أكثر في تقويم اعوجاج الأفراد والمجتمعات ذلك أن الإصلاح الحقيقي هو الذي يبدأ بالأسس ويهتم بالبذرة الأولى؛ لأنها إذا صلحت كان صالحا كل ما ينتج عنها وبما أن الخلية الأولى لكل المجتمعات هو الفرد وعلى صلاحه يتوقف صلاحها فقد عمل الإسلام أولا وقبل كل شيء على تقويم أوده وإصلاح اعوجاجه والطريقة التي سلكها الإسلام لتحقيق ذلك هي تكوين سلطة الضمير وإنشاء مراقبة داخلية تنبع من نفس الإنسان وتسيطر على مشاعره وتسيرها في اتجاه يهدف إلى تقوية الشعور بالخير ومضاعفة الإحساس بخطورة الشر بمراقبة الله في السر والعلن، ومحاسبة النفس على جميع أعمالها من المظاهر التي يجري عليها الإسلام في تقويم الإنسان.

والنصوص الدينية التي تدل على هذا الأصل كثيرة نكتفي يبعضها:

منها قوله تعالى: “وأعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه” [البقرة، 233]. فقد وردة هذه الآية في التحذير من أن يتزوج الإنسان المطلقة قبل استكمال عدتها، ووكلته إلى ضميره قبل أن تكله إلى التشريع، وحذرته من معاقبة الله قبل أن تحذره من معاقبة الناس، وبذلك كونت في المؤمن قوة داخلية جبارة تحول بين الإنسان وبين ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه؛

ومنها قوله تعالى: “بل الاِنسان على نفسه بصيرة ولو اَلقى معاذيره” [القيامة، 14-15]. فقد كلفت هذه الآية الإنسان بمراقبة نفسه بنفسه وحذرته من انتحال المعاذير الواهية والاستناد إليها أمام الله جلا وعلا. ومنها قوله تعالى: “ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة أن الله بكل شىء عليم” [المجادلة، 7].

وهذه الآية تصرح بأن الله تعالى معنا بعلمه، ومطلع على جميع أحوالنا ويجازينا عليه بما يناسبه، وكل هذه الآيات وغيرها مما لم نذكره لضيق المجال تنشئ في المؤمن قوة داخلية خارقة تصرفه دائما عن مفارقة الشر سرا أو جهرا، وناهيك بجملة الإسلام القوية على النفاق والمنافقين ففيها إثبات لهذه القوة الداخلية وتركيز لها..

ومن الواضح أن فريضة الصيام تخدم هذا التوجيه أحسن خدمة، وتقوي هذا الخلق القويم أحسن تقوية. ذلك أن الإسلام حينما فرض هذه الشعيرة المقدسة لم يكلف أحدا بالمراقبة على تنفيذها، بل وكَّلَ ذلك إلى ضمير الإنسان، وإلى هذا يشير قوله تعالى “يأيها اللذين ءَامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على اللذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودة” [البقرة، 182]. فقد علل جل وعلا في هذه الآية الأمر بالصيام بأنه يفضي إلى التقوى أي اجتناب ما نهى الله عنه..

وهكذا أنشأ الإسلام في الإنسان ملكة الاستقلال الشخصي، وخلق العزوف على الشرور ودعائه إلى مغالبة النوازع الأثيمة، والتغلب على الغرائز السالفة، وتقوية مبدأ فعل الخيرات والغرائز السامية، وضرب المثال الرائع في التربية الصحيحة والتوجيه القويم.

وبهذا أقام الإسلام على الرذيلة السرية حربا شعواء، ووضع النفاق الاجتماعي في إطاره السافل، وأقام صرح الطهارة الباطنية بالإضافة إلى الطهارة الظاهرة وجعل المؤمن يعيش في سعادة شاملة واطمئنان داخلي وسكون نفسي لا نكاد نجد له مثيلا فعلينا أن نعمل جاهدين على تقوية إراداتنا، وشل نوازع الشر في نفوسنا وتقوية نوازع الخير فينا حتى نستطيع القضاء على كل مبعث الشر في أعماقنا، ونضرب للعالم المتمدن الحائر أمثلة رائعة في حسن السلوك والقضاء على أصل الشرور.

 

 

دعوة القرآن، ص:37-40 الطبعة الأولى 1966م، مطبعة الرسالة الرباط

أرسل تعليق