Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

محمد المنوني ذاكرة المغرب

يولد المؤرخ ليتحمل الأمانة الكبرى، أمانة حفظ ذاكرة الأمة بالتأريخ لعلمها وأعلامها ومآثرها وحضارتها، فيصبح المؤرخ بذلك عنصرا مؤسسا لتلك الذاكرة.. ونموذج العلامة محمد المنوني (1915- 1999) ذو دلالات كبيرة باعتباره من أهم من ساهم فعليا، في ميدان البحث التاريخي، في صياغة الذاكرة الجماعية والحضارية للمغرب.

لقد كان تكوين هذا الرجل انعكاسا صادقا لتوهج المدرسة التي انتمى إليها، تلك التي تتآلف فيها الأصالة مع أفضل معطيات الحداثة، فتتيح لخريجها متانة غير عادية في التكوين التراثي مع قاعدة صالحة للبناء عليها ثقافيا، عبر استكمال المسار المنهجي في صيغته الأكاديمية.

ولعل فاعلية هذه المدرسة تثبت كأروع ما يكون في الجانب التاريخي من شخصية المنوني بالغة الثراء، فالرجل كان المثال الذي استطاع أن يثبت التعدد الغني في مادة التاريخ الحضاري للمغرب، فاهتم بأكثر جوانب الحضارة المغربية، توثيقا وتأريخا.

كتب المنوني كتابه العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين سنة 1950، وعلى الرغم من كون هذا الكتاب هو البداية الأكاديمية لمحمد المنوني؛ فإن عمق الكتاب ومنهجه وحسه النقدي يدل على نبوغ مبكر للمرحوم المنوني، فنجده في هذا الكتاب يختار النصوص النوعية والمتنوعة، وينتقد بأسلوب ذكي وشيق، ونحس بالرجل، وهو يحكي قصة الحضارة في هذا البلد الطيب، كيف يتفاعل علميا ونفسيا مع ما يقول؛ لأنه كان مؤرخا رساليا.. بعد هذا الكتاب بثلاثين سنة، سينشر المنوني كتابا آخر عن حضارة المغرب، هذه المرة عن دولة بني مرين، وسماه “ورقات في حضارة بني مرين” (1980). ثلاثون سنة من البحث والتنقيب حول حضارة بني مرين بعدها يسمي المنوني كتابه “ورقات” بحس متواضع عز نظيره في مجال البحث الأكاديمي، كما كتب-رحمه الله- عن بعض المعطيات النوعية لتشكل الحضارة فأرخ للوراقة المغربية (منشورات كلية الآداب 1991).

محمد المنوني ذاكرة المغرب

وقد لخص الأستاذ حسن جلاب في مقالته حول العلامة المرحوم محمد المنوني (مجلة دعوة الحق، ع 370) أهم المميزات العلمية والخلقية لفقيد التحقيق والتوثيق مركزا على إفادته للباحثين بخزانته الخاصة التي هي في نفس الوقت خزانة أجداده العلماء، وكانت تحوي الكثير من الكتب النادرة والنفيسة، فلا تكاد توجد مقدمة رسالة أو أطروحة لم يذكر صاحبها ما استفاد من هذه المكتبة ومن صاحبها، كما أفاد المرحوم المؤرخين والباحثين بمؤلفاته الشخصية التي كتبها خاصة في “فهرسة المخطوطات” والتعريف بها، وفي مصادر التاريخ المغربي، والوراقة المغربية، و التعريف بالأعلام، والمؤلفات الدفينة، وإخراج النصوص الأدبية الموحدية والمرينية، والوثائق الحديثة التي تجمع أصالة المغرب وسبقه في نفس الوقت إلى الأخذ بمظاهر النهضة الحديثة، تؤطر هذا كله خصال حميدة وراسخة وهبها الله للعلامة المنوني: ذاكرة قوية تستوعب أسماء الرجال وعناوين مؤلفاتهم ومضامين الكتب وتواريخ الأحداث، مما يجعله ينتقل من موضوع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، ومن كتب إلى أخرى بكثير من اليسر والسهولة.

ويرى الدكتور سمير بودينار في مقال نشره بمجلة مدارك (العدد الثاني، مايو 2006) أن ذلك لم يكن كل ما شكل عناصر المثال، فالمسألة التي صنعت فرادة النموذج المنوني هي أنه سلك طرقا جديدة في بناء المتن التاريخي، بدت له قادرة على إعطاء الإنسان المعاصر صورة أمينة لما تختزنه تلك الذاكرة الجماعية للمجتمع، فاستعمل النصوص المتنوعة في بناء وصياغة المادة التاريخية التاريخ الأندلسي من خلال النصوص (1991)، ثم كان تتويج هذا المنهج من خلال توسيع مجال نظر المؤرخ إلى غير المصادر التاريخية المعروفة، حين استثمر مادة التاريخ الاجتماعي للمغرب كاملة: رحلات ومذكرات وحواشي ومراسلات، بل وتقاييد لم تكن ترى إلا بوصفها خواطر ومشاهدات شخصية لأصحابها، تقرأ إما للاعتبار بجوانب الصلاح أو لاستمداد حكمة فلسفية.. لقد كان الاتجاه البحثي الذي أسسه المنوني في الحقل التاريخي (…) هو الاهتمام بتركيز المعرفة التاريخية في صيغة مصادر قادرة على أن تكسب الأدوات التي يحتاجها الباحث، فتكون بالنسبة له مداخل إلى مجال المعرفة التاريخية مادة ومنهجا، ومن هنا اهتمامه بجمع وتنظيم مصادر البحث التاريخي: “المصادر العربية لتاريخ المغرب 1983” سواء منها الفهارس (فهارس مخطوطات الخزانة الوطنية بالرباط، 1974) و(فهارس مخطوطات الخزانة الحسنية، 1983)، أو أدلة (دليل مخطوطات دار الكتب الناصرية بتامكروت 1985).
أما المخطوطات فقد كان محمد المنوني عارفا كبيرا بأسرارها، وهو والرجل الذي أخرج مئات منها من الظلمات إلى النور، ويسرها للدارسين والباحثين، وقد توج عمله التحقيقي الذي دام عقودا بتأليف كتاب “قبس من عطاء المخطوط المغربي” الذي صدر في ثلاثة مجلدات سنة  1999.

ويرى الدكتور سمير بودينار أن كتاب مظاهر يقظة المغرب الحديث للمنوني الذي صدر في جزئين (1985)، يعتبر خلاصة بحثية راقية لجهد سنوات من العمل والتنقيب في مظاهر الحضارة المغربية من مصادرها المختلفة، وربما صح إدراج هذا الكتاب في خانة المصادر المعاصرة النادرة في فلسفة تاريخ المغرب، من حيث استنباط قوانين النهوض وتجلياته العامة من خلال الأمثلة الجزئية المبثوثة في مضانها المختلفة، وإن محمد المنوني الذاكرة هو في الواقع تحد للجهد البحثي والأكاديمي المعاصر في غير مجال، إذ استطاع أن يجمع إلى ثراء عناصر الذاكرة، رصدا أمينا في دقته وعلميته، ومنهجا صارما وفعالا في تعرف تاريخ المغرب. رحم الله هذا الرجل الفاضل، ونفعنا بعلمه..

والله الموفق للخير والمعين عليه.

أرسل تعليق