Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

صنيع ابن مجاهد البغدادي 2/2

كما رحل من المغرب أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهذلي إلى المشرق، وطاف البلاد، وروى عن أئمة القراءة حتى انتهى إلى ما وراء النهر، وقرأ بغزنة وغيرها، وألف كتاب “الكامل في القراءات”، جمع فيه خمسين قراءة عن الأئمة، وألفا وأربعمائة وتسعة وخمسين رواية وطريقا، وقال فيه: “فجملة من لقيت في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخا، من آخر المغرب إلى باب فرغانة يمينا وشمالا وجبلا وبحرا، وتوفي سنة 465ﻫ.

وفي هذا العصر كان أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري بمكة، مؤلف كتاب “التلخيص في القراءات الثمان” و”سوق العروس”، فيه ألف وخمسمائة وخمسون رواية وطريقا، وتوفي سنة 478ﻫ. وهذان الرجلان أكثر من علمنا جمعا للقراءات، لا نعلم أحدا بعدهما جمع أكثر منهما، إلا أبا القاسم عيسى بن عبد العزيز الأسكندري، فإنه ألف كتابا سماه “الجامع الأكبر والبحر الأزخر”، يحتوي على سبعة ألاف رواية وطريق، وتوفي سنة 629ﻫ. ولا زال الناس  يؤلفون في كثير القراءات وقليلها، ويروون شاذها وصحيحها، بحسب ما وصل إليهم أو صح لديهم، ولا ينكر أحد عليهم، بل هم في ذلك متبعون سبيل السلف حيث قالوا: القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول، وما علمنا أحدا أنكر شيئا قرأ به الآخر، إلا ما قدمنا عن ابن شنَّبوذ، لكنه خرج عن المصحف العثماني، وللناس في ذلك خلاف كما قدمناه، وكذا ما أنكر على ابن مِقسَم من كونه أجاز القراءة بما وافق المصحف من غير أثر كما قدمنا.

أما من قرأ بالكامل للهذلي، أو سوق العروس للطبري، أو إقناع الأهوازي، أو كفاية أبي العز، أو مبهج سبط الخياط، أو روضة المالكي، ونحو ذلك على ما فيه من ضعيف وشاذ عن السبعة والعشرة وغيرهم، فلا نعلم أحدا أنكر ذلك، ولا زعم أنه مخالف لشيء من الأحرف السبعة، بل ما زال علماء الأمة وقضاة المسلمين يكتبون خطوطهم ويثبتون شهادتهم في إجازاتنا بمثل هذه الكتب والقراءات”.

قال ابن الجزري: “وإنما أطلنا هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، أو أن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير، وأنها هي المشار إليها بقوله -صلى الله عليه وسلم-: “أنزل القرآن على سبعة أحرف”، حتى إن بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ. وكثير منهم يطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذا، وربما كان كثير مما لم يكن في الشاطبية والتيسير وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما، وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا “أنزل القرآن على سبعة أحرف” وسمعوا قراءات السبعة، فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار إليها، ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء وخطّأوه في ذلك، وقالوا: هلا اقتصر على ما دون هذا العدد أو زاده، أو بيّن مراده، ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة” [1] .

ولنا عودة في الحلقة الموالية بإذن الله إلى تعقب أئمة المغرب لابن مجاهد في صنيعه، وتعقبهم أيضا لمن توهم انحصار القراءات الصحيحة في ما قرأ به السبعة المشهورون، والله الموفق.

———-

1. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 1/34 – 36.

أرسل تعليق