Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

مفهوم المخالفة في المذهب المالكي بين النظر والتطبيق

مفهومي الصفة والشرط

      نتناول في هذا الجزء الدلالة اللغوية والاصطلاحية لمفهومي الصفة والشرط:

      أولا: الدلالة اللغوية والاصطلاحية للصفة

     الصفة لغة مصدر من وصف الشيء يصفه وصفا وصفة: نعته بما فيه وحلاه. ويقال الصفة إنما هي في الحال المتنقلة، والنعت بما كان في خَلْق أو خُلُق[1].

     وقد أطلقها الأصوليون -بناء على المعنى اللغوي- على لفظ مقيد لآخر ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، فيتناول العلة والظرف والحال والعدد[2].

     كما يراد به أعم من النعت، سواء أكان نعتا نحويا مثل “فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ”[3]، أم مضافا نحو: سائمة الغنم، أم مضافا إليه، نحو: “مُطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ”[4]، أم ظرفَ زمان كقوله تعالى: “إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ” [سورة الجمعة، جزء من الآية: 9]، أم ظرف مكان نحو: “بع في بغداد”[5].

     ويكون مفهوم الصفة بعد تحديد معناها “دلالة اللفظ المقيد بصفة على انتفاء الحكم عن غير الموصوف”[6]، فمثلا قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: “فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ”، تقييد لزكاة الغنم بوصف “السوم”، ويكون مفهومه على القول به، أن لا زكاة في غير السائمة؛ فينتفي الحكم بانتفاء الصفة.

     هذا إذا كانت الصفة قد تعلقت باللفظ “بغرض نقض شيوعه وتقليل الاشتراك فيه، ولم تظهر لها فائدة أخرى سوى انتفاء الحكم عند انتفائها، كأن تكون للمدح أوالذم أو التأكيد أو غير ذلك من مقتضيات التقييد الخارجة عن مجرد التخصيص”[7]. وإلا فلا يكون لها مفهوم.

     كذلك إذا كانت مبينة لحقيقة الموصوف، كقوله تعالى: “إِنَّ الاِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، اِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً” [سورة المعارج، الآيات: 19-21]؛ فإنها كاشفة عن طبيعة الإنسان فلا يكون لها مفهوم أيضا.[8]

     كما أن للصفة التي يعلق عليها حكم ثلاثَ صور:

     أحدها: أن تكون الصفة بعد الموصوف، نحو قوله تعالى: “رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ” [سورة النساء، جزء من الآية: 92]، مفهومه أن غير المؤمنة لا تعتق في الكفارة.

     ثانيها: قبل الموصوف، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ”[9]، مفهومه أن غير الكرائم تؤخذ في الزكاة.

     ثالثها: أن يحذف الموصوف وتنوب عنه الصفة، كقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا” [سورة الحجرات، الآية: 6]، مفهومه أن خبر الواحد العدل يقبل بغير تثبت.[10]

       ثانيا: الدلالة اللغوية والاصطلاحية للشرط

      1.  الشرط لغة: “مصدر وهو (بفتح فسكون) إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، و(بالتحريك) العلامة وأول الشيء[11]، وفي المثل أملك عليك أم لك، أي الشرط يملك صاحبه في إلزامه إياه المشروط إن كان له أو عليه[12].

       وفي الاصطلاح هو تعليق شيء بشيء بحيث إذا وجد الأول وجد الثاني[13]، وهو بهذا المعنى، ما يتوقف عليه تأثير المؤثر ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، مثاله: الإحصان بالنسبة للزاني، إذ إن الشارع جعل عقوبة الزاني هي الرجم بشرط أن يكون محصنا[14]، فشرط وجوب رجم الزاني هو أن يكون محصنا، فإذا لم يكن محصنا فعقوبته الجلد[15]، وهذا بناء على أن تعليق الحكم بشرط، جعله علامة على وجوب الحكم.

      2.  أنواع الشرط:

      الشرط ثلاثة أنواع -أو ثلاثة إطلاقات على حد تعبير صاحب شرح الكوكب المنير- عقلي، وشرعي، ولغوي.

      أما العقلي: كالحياة للعلم، فإن العقل هو الذي حكم بأن العلم لا يوجد إلا بحياة؛

      وأما الشرعي: كالطهارة للصلاة، فإن الشرع هو الحاكم بذلك؛

      وأما اللغوي: فمثل قولنا: “أنت طالق إن دخلت الدار”، فإن أهل اللغة وضعوا هذا التركيب ليدل على أن ما دخلت عليه “إن” هو الشرط، والآخر المعلق به هو الجزاء[16]، فالمراد بالشرط اللغوي إذاً صيغ التعليق بـ “إن” ونحوها، وهو ما يذكر في أصول الفقه من المخصصات للعموم، نحو قوله تعالى: “وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ” [سورة الطلاق، الآية: 6][17].

      وهذا الشرط اللغوي هو المراد عندنا -بمفهوم الشرط- لأن: “الشروط اللغوية أسباب، يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشرطين العقلي والشرعي”[18].

      فيكون مفهوم الشرط إذاً دلالة اللفظ المقيد لحكم معلّق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط[19].

      ولا بد لهذا الشرط الذي يقع تقييد الحكم به من أدوات، فَمَا هِيَهْ؟

      3. أدوات الشرط:

      للشرط -اللغوي طبعا- أدوات كثيرة، لكن بعضها قد يأتي لبيان الشرط ولغيره، لذلك فسياق الكلام يحدد ذلك، ومن هذه الأدوات التي تحدث عنها الأصوليون: “إن، وإذا، ولو، وما تضمن معنى إن ومن وأي”.

      فإن: كقولنا: إن جاء زيد جاء عمرو.

      وإذا نحو: “فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ” [سورة البقرة، الآية: 233].

      ولو نحو: “لو جاء زيد لأكرمته”، وهي تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره.[20]

      ومن نحو: “من دخل الدار فأعطه درهما”.[21]

      وأي نحو: “أيهم تضرب أضرب وأيهم تكلم أكلم”.[22]

      والحاصل هنا -كما قال القرافي- أن “كل ما تضمن معنى الشرط فهو أداة للشرط، نحو: إن جاء زيد جاء عمرو، ومن دخل داري فله درهم، وما تصنع أصنع. وأي شيء يفعل أفعل. ومتى قدمت سعدت وأين تجلس أجلس”.[23]

      والواقع أن النصوص الشرعية تشهد لهذا المعنى، ذلك أن الشرط فيها، لم يقيد بأداة معينة حتى نستطيع حصره فيها، وإنما تنوعت بما تضمن معنى الشرط، كقوله تعالى: “وَيَدْرؤَا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ” [ سورة النور، الآيتان: 8]، فقيد شرط ارتفاع العذاب عنها بأدائها لشهادات اللعان.

———————————-

  1.  “محيط المحيط”، بطرس البستاني، ص: 972 مادة (وصف).

  2.  “الكوكب الساطع والعقد المنظوم”، ص: 345.

  3.  أخرجه أحمد، (1/11 – 12)، أبو داوود، (2/221). والبيهقي، (4/86).

  4.  رواه مالك في الموطأ، والشيخان، وأحمد، والنسائي والترمذي وابن ماجة. وغيرهم.

  5.  “معجم أصول الفقه”، خالد رمضان حسن، ص 283. و”اًصول الفقه الإسلامي”، د. مصطفى شلبي، ص: 507.

  6.  “أصول الفقه في ثوبه الجديد”، محمد جواد مغنية، ص: 155.

  7.  “نشر البنود”، (1/102). و”أصول الفقه”، شلبي، ص: 507.

  8.  “أصول الفقه”، شلبي، ص: 507.

  9.  رواه في المبسوط، باب زكاة الإبل، 3/205، و3/243. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، فصل صفة نصاب السائمة، 3/475.

  10.  “منار السالك إلى مذهب الإمام مالك”، ص: 80 – 81.

  11.  “لسان العرب”، ابن منظور، (7/329). و”القاموس المحيط”، الفيروز آبادي، باب الطاء فصل الشين، (مادة شرط).

  12.  “محيط المحيط”، ص: 460، مادة (شرط).

  13.  “التعريفات”، أبو الحسن الجرجاني، ص: 110.

  14.  “منتهى الوصول والأمل”، ص: 93.

  15.  محاضرات في أصول الفقه، محمد ابن معجوز، ص: 14.

  16.  “شرح العضد على المختصر”، (2/145).

  17.  “شرح الكوكب المنير”، ابن النجار، (1/453 – 454).

  18.  “الذخيرة”، القرافي، (1/71).

  19.  “معجم أصول الفقه”، ص: 284.

  20.  “الذخيرة”، القرافي، (1/71). و”أصول الفقه”، محمد الخضري، ص: 195.

  21.  “الضروري في أصول الفقه”، ابن رشد الحفيد، ص: 119.

  22.  “التقريب والإرشاد”، القاضي الباقلاني، (1/410 – 411).

  23.  “الذخيرة”، (1/75).

أرسل تعليق