Image Image Image Image Image Image Image Image Image Image

ميثاق الرابطة |

انتقل إلى الأعلى

أعلى

لا توجد تعليقات

الحركة العلمية في عصر المرينيين.. (3)

لقد شهدت النهضة المباركة في هذا العصر إقبال شديدا على طلب علم الفروع، وقد أفادت هذه النهضة الأسلوب العلمي أكثر، حيث أدخلت عليه تحسينا مشهودا في آثار علماء هذا العصر الممتازة بكثرة الجمع والتحصيل، وحسن التصرف والتعليل، وفي دروسهم التي كانت كأنها بحارٌ تزخر بالفوائد، وترمي بالفرائد، فهذا أبو محمد بن عبد الله الورياجلي أحد صدور الفقهاء، وممن كانت إليه الرحلة في عصره لأنه كان يتفرد بمرتبة الاجتهاد، وكان يعرف المذاهب الأربعة معرفة جيدة، فكان يُدرِّسُها ويُرجِّح مذهب مالك، وكانوا يقيسونه في علمه بالمازَري، ولا يعدون به طبقته وأجوبته تدل على غزارة معرفته إذ يذكر فيها إلا الخلاف العالي. قالوا: وكان من عادته أنه يشتغل بالتدريس في فصل الشتاء والربيع، وفي المصيف والخريف يرابط بالثغور، وهذا ابن الصبَّاغ أملى على حديث “يا ابا عُمير، ما فعل النُّغَير” أربعمائة فائدة كلها مما استخرجه بفكره الثاقب من هذا الحديث الشريف.

والغاية في هذا الباب ما روي عن أبي القاسم عبد العزيز بن أبي عمران موسى العبدوسي أحد أفراد بيت الذين ظلوا رجالاً ونساء حاملين راية الفقه والحديث بفاس والمغرب زمنا طويلا، وقد رحل أبو القاسم هذا إلى تونس، ودرس بها فقضى التونسيون العَجب من وعيه للعلوم، وكثرة حفظه، وكثير من علمائهم أوقفوا دروسهم وحضروا عنده رغبة في الأخذ عنه، واتصال السند به. وكان الناس يستبقون إلى المسجد ويأخذون مجالسهم فيه قبل صلاة الصبح، وتغُصُّ بهم رحاب المسجد فيجلسون خارجه حتى يكون من بخارجه أكثر ممن بداخله، وكان هو يُسْمِعُ الكل بصوته الجهير، ولما رأوا تفرُّده بإتقان علوم الشريعة من فقه وحديث وتفسير، قالوا إنه لا يحسن غيرها، فاقترحوا عليه أن يقدم لهم درسا في العربية فدرسها أيضا وبهرهم ما شاهدوه مما هو فوق الطاقة، فأجمعوا حينئذ على إمامته وتفوُّقه في العلوم، وأنه لا يضاهيه في جمعه وتحصيله أحد من المعاصرين سواء بإفريقيا والمغرب.

وبعد فاسمع ما يقوله علماؤها عنه نقلا عن أحمد بابا قال القاضي أبو عبد الله إبن الأزرق: “كتب إليَّ أبو عبد الله الزلديوي المفتي بتونس، يعرفني بحاله من الحفظ مما يُقضى منه العجب، أنه ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة، الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم بن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبد الله بن مرزوق يقول لنا فيه، يرد عليكم حافظ المغرب الآن، فقلنا هذا من قبيل مبالغات الإخوان في التوصية بإخوانهم. فلما اجتمعنا به وأقام عندنا أزيد من عام، وقد رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهمه يكون لأحد، ولقد كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم البُرْزلي، سلم له مُعاصِروه في حفظ الفقه وأشياخ المدونة، والناس دونه في ذلك إلى جانب الشيخ أبو القاسم المشذالي كذلك، وحضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا بمثل العبدوسي في حفظه وعلمه، وعلمنا صِدْق أبن مرزوق فيما وصفه به، وكان كما قال الشاعر: 

فلما التقينا صدَّق الخبرَ الخبرُ

بل صغَّر الخَبَر الخبْر” ثم قال في وصف درسه: “وكذلك فعلت أنا، تركت مجلس تدريسي وحضرتُ عنده لآخذ شيئا من طريقه، فرأيت شيئا من طريقه فرأيت شيئا لا يدرك إلا بعناية ربانية، موقوف ذلك مِن رزقه الله الحفظ ينفق منه كيف يشاء. لا زمانه حضرا وسفرا وعلمنا طريقه تفكيراً ونظراً ولا يقدر على طريقته إلا من رُزِق فطنة كاملة الاستواء مدة من جميع القوى الروحية والبدنية.

يتبع في العدد المقبل…

 

 

النبوغ المغربي في الأدب العربي تأليف عبد الله كنون، العدد 1-3 دار الثقافة، ج: الأول، ص: 191- 193.

أرسل تعليق